“العيون” في الشعر العربي.. مواطن الجمال ومهوى الأفئدة

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – رنا بغدان:
تبقى العيون مرآة النفس والعقل والقلب لكل قارئ متمكن يستنبط باطن النفوس ومكنوناتها.. وتبقى ملاذاً آمِناً لكل باحث عن الحنين والشكوى والفرح وحتى الاستغاثة, من هنا درج شعراء العربية على وصف العيون في أشعارهم وذِكر محاسنها من حيث اللون والشكل والاتساع والنظرة والتعبير, فكان لكل منها اسم بحسب الصفة التي نُسبت لها حتى تمّ تصنيفها ضمن معايير خاصة بالجمال والفتنة واختصارها لتعبر بكلمة واحدة عن صفة عيون أصابت سهامها قلوب عشاقها.. فمثلاً سمّوا العيون الواسعة بـ”النجلاء”, وسمّوا العيون الغزيرة والطويلة الأهداب بـ”الوطفاء”, أما “الحوراء” فهي العيون الواسعة شديدة البياض في بياضها وشديدة السواد في سوادها مع استدارة في الحدقة ورقّة في الجفون وسعة في المقلة فكانت من أجمل العيون.. ومن أشهر وأرقّ الشعر الذي قيل فيها ما قاله “جرير”:
إن العيون التي في طرفها حور
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يَصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
وهن أضعف خلق الله أركانا
وقبل أن نبحر في تلك التسميات لابد من ذكر تلك العيون التي تملك ملكة التعبير والحديث عما يجول في نفس صاحبها وبلغتها الخاصة في عملية التواصل الإنساني والتي حفلت كتب القدماء بذكرها وأفردوا لها أبواباً في مؤلفاتهم، ومنهم “الثعالبي” الذي وصفها “فقه اللغة وسر العربية” وخصص لها باباً دعاه “محاسن العين”, وأيضاً “ابن حزم” الذي اعتبرها أرقى وأرقّ الحواس وأفرد لها باباً في كتابه “طوق الحمامة” أسماه “باب الإشارة بالعين”، وكذلك الشعراء المحدثين ومنهم أمير الشعراء أحمد شوقي وما باحت به له لغة العيون حين قال:
وتعطلت لغة الكلام وخاطبت
عينيَّ في لغة الهوى عيناكِ
ونأتي على العيون “الكحلاء” التي تبدو وكأنها مكحلة طبيعياً من غير تكحل كعين الغزال, وفيها يقول النابغة الذبياني:
نظرت بمقلة شادن متربب
أحوى أحمّ المقلتين مقلد
ويصفها البوصيري فيقول:
لا تحسبوا كحل الجفون بزينة
إن المها لم تكتحل بالإثمد
في حين نرى المستعين بالله لا يقاوم النظر إلى العيون “الفاترة” التي تتصف بانكسار في النظر, وهو إسبالٌ لطيفٌ بجفنيها يضفي على العيون جمالاً فوق جمال ويدل على الدلال والغنج وفيه تبدو العين وكأنها مريضة وليس بها مرض وذلك بقوله:
عجباً يهاب الليث سناني
وأهاب سحر فواتر الأجفان
أما العيون الملونة سواء “الزرقاء” أو “الخضراء” فقد ارتبطت بأذهان الناس بالغزاة الوافدين واعتبروها مصدر شؤم وشرّ ولؤم واتهموا أصحابها بالكذب وعدم الأمانة ونظم العديد من الشعراء أشعارهم في وصفها ألى أن تغيّر هذا المفهوم خاصة بعد الفتوحات الإسلامية وفي ذلك يصفها الشاعر عمر بن أبي ربيعة بقوله:
سحرتني الزرقاء من مارون
إنما السحر عند زرق العيون
في حين يقول الشاعر بدوي الجبل في وصفها:
في مقلتيك سماواتٍ يهدهدها
من أشقر النور أصفاه وأحلاه
ولا نستطيع ذكر العيون “الزرقاء” دون الوقوف عند قول نزار قباني:
في مرفأ عينيك الأزرق
شباكٌ بحري مفتوح
وطيورٌ في الأبعاد تلوح
تبحث عن جزرٍ لم تخلق..
وله أيضاً:
الموج الأزرق في عينيك
يجرجرني نحو الأعمق

أما الشاعر بدر شاكر السياب فيصف العيون “الخضراء” بقوله الذي أخذ شهرة واسعة:
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعة السَحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
ومهما قيل, تبقى أوصاف العيون بحر واسع أمدّتنا به العربية ألفاظاً وأسماء وإشارات وصفات فتغزلوا بها في كل حالاتها فقالوا:
“ظمياء العيون” أي رقيقة الجفون.
عين “سجراء” وهي أن يخالط بياضها حمرة.
عين “شقلاء” أي طويل شكل العين.
عين “سبلاء” وهي العين الطويلة الهدب.
عين “شهلاء” وهي حمرة في سوادها.
“الدعجاء” وهو أن تكون العين شديدة السواد مع سعة المقلة.
“البَرَج” وهو شدة سواد العين وشدة بياضها…

ومن هذه الأوصاف ما قاله جميل بثينة متغزلاً:

لها مقلةٌ كحلاء نجلاء خلقةً
كأن أباها الظبي أو أمها مها

ونختم بقول صفي الدين الحلي:
كفّي القتالَ وفكي قيد أسراكِ
يكفيكِ ما فعلتْ بالناسِ عيناكِ

Leave a Comment
آخر الأخبار