الغزل والنسيج في اللاذقية.. بين واقع متعثر وخطة إنقاذ قائمة على الشراكة وحماية العمال

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – باسمة إسماعيل:

يواجه قطاع الغزل والنسيج في اللاذقية مرحلة مفصلية، تتقاطع فيها الأعباء الفنية والمالية مع مطالب العمال وتساؤلات الشارع.

مدير المكتب الإعلامي لمؤسسة الغزل والنسيج في اللاذقية محمد جولاق عرض تقييماً شاملاً لواقع القطاع، وأسباب توقف عدد من المعامل، ورؤية الإدارة لإعادة التشغيل ضمن صيغة تضمن الملكية العامة وحقوق العمال.

قطاع حيوي بإمكانات كبيرة وأداء متراجع

أوضح جولاق لـ”الحرية” أن قطاع الغزل والنسيج يعد من القطاعات الإنتاجية الحيوية، ذات الأثر الاقتصادي المباشر نظراً لدوره في رفد الخزينة العامة بالقطع الأجنبي عبر التصدير، إضافة إلى مساهمته في تشغيل اليد العاملة، وتعزيز القيمة المضافة للصناعات التحويلية المرتبطة به.

وأضاف: إن الواقع الحالي للمعامل العاملة والمتوقفة، يشير إلى تدهور شديد على المستويات الفنية والإنتاجية والمالية والتسويقية، وقد تعرض هذا القطاع خلال سنوات طويلة لتراكمات سلبية أثرت في كفاءته، حيث جرى توظيفه كأداة لمعالجة البطالة على حساب الكفاءة والجدوى الاقتصادية، ما أسهم في تعميق الخسائر وإضعاف القدرة التنافسية.

قراءة في الواقع الفني والإنتاجي

وبيّن مدير المكتب الإعلامي أن خطوط الإنتاج لم تشهد أي تحديث جوهري منذ أكثر من عشرين عاماً، ما انعكس سلباً على جودة المنتج واستقرار العملية الإنتاجية، كما أن اللجوء إلى استخدام قطع تبديلية غير أصلية وغير مطابقة للمواصفات لإصلاح الأعطال، تسبب في تكرار الأعطال وارتفاع فترات التوقف، وظهور عيوب نوعية كبيرة في المنتج النهائي، وانخفاض الاستقرار التشغيلي وتراجع كفاءة خطوط الإنتاج.

أما على الصعيد الإنتاجي، فإن عدم توافر القطع الأساسية لآلات الغزل والنسيج وتعويضها بقطع من الأسواق المحلية، أدى إلى عدم التناغم بين أجزاء الٱلة، وإنتاج مادة غير متجانسة وغير قابلة للتسويق في كثير من الحالات، فضلاً عن هدر مرتفع باستهلاك الطاقة والمواد، نتيجة سوء الصيانة وعدم انتظام التشغيل.

احتكار شبه فعلي في التوريد

وأشار جولاق إلى أن تراكم ديون كبيرة على المعامل، لصالح جهات عامة ومتعهدين ومؤسسات خدمية، وعلى رأسها مؤسسة الأقطان ومؤسسة الكهرباء، ترتب على ذلك عجز واضح في القدرة على السداد وتزايد الأعباء المالية والتشغيلية، الأمر الذي قيد القدرة على تأمين مستلزمات الإنتاج، كما أن الواقع التسويقي وسلاسل التوريد كان يوجد حالة من الاحتكار شبه الفعلي لدى بعض المتعهدين، في توريد القطع التبديلية دون منافسة حقيقية أو شفافية كافية، وضعف القدرة على تأمين القطع من الشركات المصنعة بشكل مباشر، تراكم مخزون كبير بتكاليف مرتفعة جداً، إضافة إلى كميات كبيرة من العوادم والراكد، وارتفاع كلفة التخزين وتآكل القيمة مع الزمن.

لماذا توقفت المعامل؟

ولفت جولاق إلى أن أسباب توقف تشغيل المعامل حالياً، بعد إجراء دراسة جدوى اقتصادية لتشغيلها تبين أن تكلفة المنتجات المحلية تقارب ضعفي سعر المنتجات المماثلة في السوق، بما فيها المستورد الذي يتمتع غالباً بجودة أعلى واستقرار مواصفات مقابل الإنتاج الحالي، عدم توفر المادة الأولية لتشغيل بعض المعامل (خاصة في حلب) أو صعوبة تأمينها بشكل منتظم، كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة والمستلزمات التشغيلية غير المباشرة كالنقل والطباعة…الخ، مقابل إنتاجية متدنية رغم انخفاض الرواتب، ما جعل استمرار التشغيل في بعض الحالات غير اقتصادي في الظروف الحالية.

تساؤلات العمال… ومخاوف مشروعة

وفي ظل هذا الواقع، تزايدت تساؤلات العمال حول مصيرهم، وما إذا كان توقف بعض المعامل تمهيداً لإحالتها إلى القطاع الخاص أو الاستغناء عنهم، بيّن مدير المكتب الإعلامي أن وجود منافسة مباشرة بين القطاعين العام والخاص داخل الدولة وفي القطاع نفسه دون قواعد تنظيمية واضحة، منافسة غير متكافئة وتشوهات سعرية، خلق بيئة خصبة للفساد والممارسات غير الشفافة، وأضعف القدرة التنافسية وتعميق الخسائر.

وتابع: لذلك تتجه الرؤية الإدارية الحالية إلى طرح كل المعامل للاستثمار ضمن شروط تحقق مصلحة الطرفين (القطاع العام والقطاع الخاص) وأبرزها: الحفاظ على الملكية العامة كاملة وعدم التنازل عنها، والحفاظ على العمالة القائمة وعدم الاستغناء عنها مع إعادة التأهيل والتدريب وتحسين الإنتاجية، وإلزام المستثمر بخطة تحديث زمنية ومالية محددة، واعتماد رقابة حكومية فاعلة على الجودة والتسعير ومنع الاحتكار.

متى تعود المعامل إلى العمل؟

وأوضح جولاق أن إعادة التشغيل المستدامة مشروطة بتوافر حزمة متكاملة من الإجراءات، أبرزها: تأمين المواد الأولية بأسعار منافسة وبشكل منتظم، وتوفير قطع تبديل أصلية وفق مواصفات الشركات المصنعة، ومعالجة ملف الطاقة بما يعزز القدرة التنافسية، واعتماد إدارة رشيدة وربط الأجور بالإنتاجية.

خارطة طريق لتفعيل القطاع

وأردف قائلاً: تتمثل أبرز الإجراءات المقترحة لتفعيل القطاع في: تأمين المواد الأولية محلياً أو عبر الاستيراد وفق الأسعار العالمية، منع فرض أي سعر اعتباري يرفع التكلفة ويقضي على التنافسية، إعادة النظر في تسعير حوامل الطاقة بما يوازي الدول المجاورة المنافسة للمنتج المحلي، تأمين إدارات رشيدة وكفوءة لقيادة هذا القطاع، عبر طرح المعامل للاستثمار بما يحقق انتقال دور القطاع العام من الإنتاج المباشر إلى الإشراف والرقابة والتنظيم وضمان الجودة.

وختم مدير المكتب الإعلامي حديثه بالتأكيد على أن إنقاذ قطاع الغزل والنسيج يتطلب الانتقال من المعالجة الجزئية إلى برنامج إصلاحي متكامل يشمل (تحديث – طاقة – مادة أولية – إدارة – نموذج استثمار – حوكمة ورقابة) وأن نموذج الشراكة والاستثمار مع ضمان الملكية والعمالة، فرصة واقعية لإعادة تشغيل القطاع على أسس اقتصادية مستدامة.

رسم مستقبل

وبين خيار استمرار الخسائر، وخيار الشراكة المدروسة مع ضمان الملكية العامة وحقوق العمال، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في رسم مستقبل هذا القطاع الحيوي ودوره في دعم الاقتصاد الوطني.

Leave a Comment
آخر الأخبار