الحرية- صالح صلاح العمر:
في بلادٍ لا تحتاج إلى عدوّ، ولا إلى خرائط عسكرية ولا إلى نشرات أخبار عاجل أحيانًا، يكون العدو أخفّ من الهواء، وأسرع من الضوء، وأقرب إلينا من هواتفنا المحمولة أسمه الفتنة، حيث تتكفّل بالمهمة على أكمل وجه، تبدأ القصة دائمًا بشكل بريء: رأيٌ مختلف، تعليقٌ مثير، أو حتى إشاعة وُلدت في زاوية مظلمة من
“مجلس واتساب” أو صفحة فيس بوك ، ثم، كأي كرة ثلج سوداء، تتدحرج الفتنة وتكبر، لا بفعل الحقائق، بل بجهود ضعفاء النفوس، أولئك الذين يكرّسون وقتهم لتضخيم كل شيء، إلا عقولهم.
في زمن الفتنة، يصبح العقل ترفًا، والتثبت ضعفًا، والهدوء خيانة، كل شيء يُقاس بمدى قدرتك على الصراخ، لا على الفهم، ومن لا يشارك في الضجيج، يُتهم فورًا بأنه “ضدنا” حتى لو لم يعرف أصلًا عمّا يدور الصراخ.
المضحك المبكي في الفتنة أنها ديمقراطية، لا تفرّق بين جاهل ومتعلم، ولا بين صاحب قضية وصاحب هوا، الجميع مدعوون للمشاركة: هذا يغرد، وذاك يحلل، وثالث يحرّض، ورابع يكتفي بنقل الكارثة مع إضافة بعض البهارات، والنتيجة؟
وجبة وطنية من الانقسام الحاد، تُقدَّم ساخنة كل يوم، أما الإعلام الضال وما أكثره؟ حين يقرر أن يلعب دور “الطباخ”، فإنه لا يكتفي بتقديم الوجبة، بل يحرص على أن تكون مشبعة بالتوابل الحارقة: عناوين مثيرة، اقتطاعات ذكية، وضيوف يجيدون فن إشعال الحرائق اللفظية..
الحقيقة، كما يبدو، لا تجلب مشاهدات كافية، بينما الفتنة (ترند مضمون) وفي خضم هذا الكرنفال، تضيع البلاد بهدوء، لا بانفجار كبير، بل بتآكل بطيء: مؤسسات تُضعف، ثقة تتلاشى، ومجتمع يتحول إلى جزر متناحرة، الكل يظن أنه يدافع عن الوطن، بينما الوطن نفسه يبحث عمّن يدافع عنه من أبنائه
المفارقة المؤلمة أن الفتنة لا تنتصر لأنها قوية، بل لأن مقاوميها متعبون، صامتون، أو ببساطة غير مهتمين بالدخول في معركة لا قواعد لها، وهكذا، تملأ الضوضاء الفراغ، ويُفسَح المجال لمن يرفع صوته أكثر، لا لمن يقول شيئًا يستحق السماع.
هناك حديث نبوي شريف يُعتبر ضعيفاً ولكن يمكن الاستشهاد به
(الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن الفتنة حالة يختلط فيها الحق بالباطل، وتعجز فيها حكمة العقلاء عن كبح جماح السفهاء.
في النهاية، لا تحتاج الفتنة إلى عباقرة لتنجح، يكفيها قليل من الجهل، كثير من الغضب، أما البلاد، فتدفع الفاتورة—دائمًا، وبلا اعتراض.
حماية البلاد من الفتنة ليست مهمة جهة واحدة، بل منظومة متكاملة: فرد، مجتمع، إعلام، ودولة، لكن، لنكن صريحين: الفتنة ليست عدوًا خفياً فقط هي أيضًا عادة يومية، وسلوك متكرر، وكسل في التحقق، ورغبة خفية في تصديق ما يثيرنا لا ما يصحّ، هي مرآة—غير مريحة—تعكس أسوأ ما فينا عندما نتركها تكبر،
ربما حان الوقت لنعترف أن (الفتنة عدو السوريين) نعم، لكنها عدوّ يستمد قوته منهم أيضًا، والانتصار عليها لا يحتاج إلى معركة كبرى، بقدر ما يحتاج إلى قرار بسيط: أن نفكر قبل أن نصدق، وأن نتحقق قبل أن ننشر، وأن نصمت أحيانًا، لأن الصمت، في زمن الفتنة، قد يكون أبلغ من ألف منشور.