مشروع الفطر المحاري نموذج تنموي منخفض المخاطر وعالي الأثر للأسر الهشة

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – سناء عبد الرحمن:

بات البحث عن مشاريع تنموية مستدامة وقابلة للتطبيق على مستوى الأسرة أولوية ملحة، فالمشاريع الناجحة اليوم لم تعد تقاس فقط بحجم رأس المال، بل بقدرتها على تمكين الإنسان، وتأمين دخل كريم، وتحقيق الأمن الغذائي بأدوات بسيطة وموارد محلية، من هذا المنطلق، يبرز مشروع الفطر المحاري كأحد أهم النماذج العملية التي تجمع بين الجدوى الاقتصادية والأثر الاجتماعي والصحي.

من الفكرة إلى التطبيق..

التقت “الحرية” بصاحب مشروع لزراعة الفطر المحاري علي محمد حيث أكد بداية أن فكرة المشروع جاءت بعد اطلاعه على توصيات خبراء تنمويين اعتبروا الفطر المحاري من أكثر المشاريع سهولة في التعامل وسرعة في تمكين الأسر الهشة اقتصادياً.
ويضيف إن دراسة معمقة أُجريت حول هذا النوع من الفطر أظهرت أنه يتمتع بميزات تنموية عالية العائد وقليلة المخاطر، ما دفعه إلى الانتقال من مرحلة الدراسة النظرية إلى التنفيذ العملي، وبجهوده الخاصة، قام بتجهيز مساحة تبلغ 65 متراً مربعاً كمزرعتين للفطر المحاري، مع متابعة علمية دقيقة من دكاترة جامعيين وخبراء مختصين بزراعة بذور الفطر، وإشراف مباشر منه على جميع مراحل العمل.

جدوى الاستثمار..

بحسب محمد، أفضت التجربة إلى نتيجة محورية مفادها أن زراعة الفطر المحاري، بوصفها زراعة أورجانيك خالية من أي إضافات كيميائية، تمثل استثماراً صحياً ومثالياً يمكن الاعتماد عليه كأحد أسهل وأنجح المشاريع التنموية.
ويوضح أن المشروع لا يتطلب سوى غرفة واحدة داخل المنزل، ما يجعله مناسباً للأسر التي لا تملك موارد دخل، لكنها تملك الاستعداد للعمل، فمساحة تقدر بنحو 25 متراً مربعاً تحتاج إلى حوالي 4 ملايين ليرة سورية لتجهيز المشروع حتى يصبح جاهزاً للقطاف، وهو استثمار يترجم إلى دعم إنتاجي يمتد لثلاثة أشهر.

عائد اقتصادي سريع..

يشير محمد إلى أن العائد المادي للمشروع يعد من أبرز نقاط قوته، إذ يمكن أن يحقق دخلاً شهرياً بحدود 3 ملايين ليرة سورية في المتوسط، وربما أكثر في بعض الحالات، خلال فترة الدعم الإنتاجي، ويؤكد أن هذا الرقم يُعد إنجازاً كبيراً للأسر الهشة، خاصة أن الإنتاج يبدأ بعد نحو شهرين فقط من بدء الزراعة، ما يعني دورة رأس مال سريعة ومردودية مرتفعة مقارنة بتكاليف التأسيس المحدودة.

قيمة مضافة

من الجوانب التي يصفها محمد بـ«الذكية تنموياً» في هذا المشروع، أن مخلفات زراعة الفطر المحاري لا تهدر، بل تعد بحد ذاتها مادة غنية بالبروتين والعناصر الغذائية، ويكشف أن العمل جارٍ حالياً على دراسة علمية متخصصة بالتعاون مع مراكز بحثية زراعية، بهدف تطوير خلطة علفية مثالية من هذه المخلفات لاستخدامها في تسمين العجول وتربية الأبقار والماشية، وهو ما يمنح المزارع قيمةإضافية إلى جانب بيع الفطر نفسه.

تسويق مرن

يوضح صاحب المشروع أن الفطر المحاري يتمتع بمرونة عالية في التسويق، إذ يمكن تسويقه طازجاً، أو مجففاً، أو محفوظاً ضمن عبوات بمواد حافظة مرخصة صحياً، ما يفتح المجال أمام أسواق متعددة.
وفيما يتعلق بالتحديات، يقر علي محمد بأن التسويق يبقى التحدي الأبرز، إلا أن الجهات الداعمة تعمل على نشر ثقافة استهلاك الفطر وتأمين قنوات تسويقية للمستهلكين والمصنعين، كما يشير إلى أهمية الالتزام بإجراءات السلامة الصحية، خاصة عند مرحلة نضج الفطر التي تشهد طرح كميات كبيرة من الأبواغ، ما يستدعي استخدام كمامات خاصة لحماية العاملين.

الحاجة إلى الشراكات والدعم المؤسسي

يؤكد محمد أن توسيع أثر هذا المشروع يتطلب دعماً منظماً من المؤسسات التنموية، ولا سيما منظمات الأمم المتحدة الإنسانية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، أو أي جهة تُعنى بالمشاريع التنموية المستدامة، ويشدد على أن توفير التدريب، والدعم الفني والتمويل، من شأنه أن يحول مشروع الفطر المحاري إلى أداة فاعلة لإخراج عدد كبير من الأسر الهشة من دائرة العوز إلى دائرة الإنتاج.
وختم محمد حديثه بأنه اختصر فلسفة المشروع بعبارة ذات دلالة اقتصادية واضحة: «الفطر شريك الماء، وكل شريك للماء رابح». فمشروع الفطر المحاري، كما تظهر نتائجه الأولية، ليس مجرد نشاط زراعي، بل نموذج تنموي متكامل يجمع بين قلة المخاطر، وسرعة العائد، والأثر الصحي والغذائي.

تحسين النمط الغذائي

بدورها توضح أخصائية التغذية ساندي درغام أن الفطر المحاري لا يعد منتجاً زراعياً فحسب، بل مادة غذائية عالية القيمة يمكن أن تسهم في تحسين النمط الغذائي للأسر، وتؤكد أن هذا النوع من الفطر يُصنّف ضمن المصادر النباتية الغنية بالبروتينات، ويحتوي على طيف واسع من الفيتامينات والمعادن الأساسية، ما يجعله بديلاً صحياً للحوم، خاصة لدى الفئات ذات الدخل المحدود.

غذاء ودواء

وتشير درغام إلى أن الفطر المحاري يتميز بانخفاض سعراته الحرارية وخلوه من الكوليسترول، الأمر الذي يجعله مناسباً للأنظمة الغذائية الوقائية والعلاجية على حد سواء، كما توضح أنه يحتوي على مركبات طبيعية ذات خصائص داعمة للمناعة، ومضادة للبكتيريا والفيروسات، إضافة إلى مركبات أخرى تخضع للدراسة العلمية لفاعليتها في مقاومة الالتهابات وبعض أنواع الأورام.
وتلفت إلى أن تعريض الفطر لأشعة الشمس لفترة قصيرة قبل الطهي يساعد على رفع محتواه من فيتامين D، ما يمنحه أهمية إضافية في ظل انتشار حالات نقص هذا الفيتامين بين شرائح واسعة من السكان، وتخلص إلى أن إدخال الفطر المحاري ضمن السلة الغذائية اليومية يمكن أن يحقق فائدة مزدوجة: دعم الصحة العامة وتعزيز الأمن الغذائي بتكلفة منخفضة.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار