الفلاحون يعودون إلى زراعة أراضيهم المهملة في ريف حماة.. والهطولات المطرية لا تكفي لمواسم منتجة..!! 

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية ــ رحاب الإبراهيم:

ظلَّ كرمه المزروع بأشجار التين والزيتون مهملاً سنوات طويلة، بالكاد ينتج كميات قليلة في المواسم المعتادة، وخاصة عقب الجفاف، الذي ضرب كل المواسم، لكن هذا العام وخاصة مع الهطولات المطرية المبشرة والأوضاع الاقتصادية الصعبة، عاد إلى الاهتمام بأرضه في ريف حماة.

حاله ينطبق على فلاحين كثر في أرياف حماة، ليقول الرجل الأربعيني محسن إبراهيم “أب لأربعة أطفال”، لـ”الحرية”: هجرت أرضي بعد سفري إلى مدينة دمشق للعمل لكسب الرزق، ونتيجة إهمالها وموجة الجفاف أصبحت قليلة الإنتاج، ومع ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة خلال الأعوام الفائتة التي لا تتلاءم مع أجرنا الشهري المنخفض، عزفت عن زراعتها بشكل كلي، لكن مع الهطولات المطرية المبشرة، التي لم تشهدها البلاد منذ زمن طويل، عدت إلى الاهتمام بأرضي أسوة بمعظم أبناء المنطقة، فأينما تتواجد المياه تتواجد الحياة، كما أن الزراعة قد تحقق عائداً جيداً مع تحسن واقع التربة وتخفيف تكاليف الإنتاج.

استثمار الأراضي

وتتشارك النساء والرجال الاهتمام بالأراضي الزراعية على قدم المساواة في أرياف حماة، وهو ما تؤكده السيدة ميس حمد  “أم لطفلين” من خلال دعوتها إلى أهمية استثمار هذا العام الخير في إعادة إحياء الأراضي المهملة وزراعة كل شبر أرض، فالزراعة تبقى الأساس في سوريا، فأقله تستطيع العائلات تأمين مأكولها ومصروفها اليومي من خيرات الأرض، إلا أن الإهمال على مدار سنوات أدى إلى تراجع في جودة المحاصيل، وخاصة أن الأهالي كانوا غير قادرين على تأمين قوت يومهم، فكيف بتأمين مستلزمات الزراعة المكلفة جراء ضيق حال الفلاحين، الذين تركوا وحدهم دون دعم يذكر.

وتضيف: يخطئ أي فلاح يملك قطعة أرض ولا يزرعها خلال هذا العام سواء أكانت محاصيل شتوية أو صيفية، فحتماً ستكون المواسم جيدة بالنظر إلى ري الأراضي من الأمطار المستمرة حتى الآن، عدا عن أن التربة خزنت المياه في جوفها، وهذا ينعكس بالفائدة الاقتصادية والصحية على العائلات المشتغلة بالزراعة، التي يظن الكثير من الناس أنها لا تحقق أي عائد مادي، وهذا فعل خاطئ، فالأرض تعطي إذا اعطيتها والعكس صحيح.

خطة زراعية

حيثما تتوافر المياه تكون الزراعة بخير، حسب ما يشدد الفلاح راكان حماد، الذي بين أن إنتاجية المحاصيل الزراعية ستكون جيدة خلافاً لسنوات فائتة بالنظر إلى الهطولات المطرية المستمرة وعودة تدفق الينابيع وامتلاء الأنهار والسدود.

ويؤكد وهو العارف بطبيعة الحال لامتلاكه خبرة زراعية طويلة وخاصة أنه كان رئيس جمعية فلاحية، على ضرورة إعداد خطة زراعية واقعية لاستثمار الهطولات المطرية وضمان هدرها مع دراسة دقيقة لإصلاح السدود المتضررة وأقنية الري وتشجيع الفلاحين على الري بالتنقيط لمنع هدر المياه، مع اتخاذ إجراءات لدعم الفلاحين وتشجيعهم على الزراعة من أجل العودة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي زراعياً وصناعياً، فمن المهم التوجه إلى تطبيق سياسة “نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع” لتمكين الاقتصاد المحلي وتقويته وصون القرار الاقتصادي.

وطالب الفلاح حماد بضرورة دعم القطاع الزراعي كونه أساس الاقتصاد المحلي عبر تأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار مخفضة وإعفاء المنتجات المستوردة من الرسوم والضرائب، على نحو يسهم في النهوض بهذا القطاع الذي يفترض استثماره بكل الطرق الممكنة وخاصة خلال هذا العام الخير بعد سنوات طويلة من الجفاف والقحط.

لا تكفي

وتتفق آراء الفلاحين الذين يطالبون بدعم حكومي لمواصلة الاهتمام بأرضهم بعد هطولات المطرية، مع أصحاب الخبرة والاختصاص، فالخبير الزراعي اسماعيل عيسى يشدد على أن توافر الأمطار أو غزارتها لا تكفي لعودة الفلاحين إلى زراعة أراضيهم بعد هجرها، فالتنمية تتحقق من تضافر عدة عوامل، ولا يمكن لعنصر واحد أن يكون رافعة لأي نشاط إنساني، فكيف إذا كان هذا النشاط يقوم على عناصر طبيعية كالمطر ونوع التربية، حيث يفترض قطعاً توافر عناصر مناخ محددة، وكذلك عناصر بشرية كالفلاح والمهندس الزراعي وتوافر مستلزمات الإنتاج، إضافة إلى توافر المال اللازم والدعم الحكومي ووجود مؤسسات تسهم في عملية التنمية.

ليست لغزاً صعباً

ويبين الخبير عيسى أنه لا يمكن اعتبار  مطالب الفلاحين واحتياجاتهم الأساسية لعودتهم إلى أرضهم وممارسة نشاطهم الإنتاجي باللغز الصعب، فهذه العودة تتحقق بمساعدتهم عبر  تأمين احتياجاتهم الضرورية على المستوى الإنساني، ونقصد بذلك توفير السكن المناسب والمدارس والكهرباء من جانب ومن جانب آخر منحهم الإمكانيات التي تساعدهم على مباشرة العمل الزراعي، حيث عانى الفلاح خلال السنوات الماضية من عشرات المشاكل والتي أدت إلى إفقاره سواء عبر استئجار البيوت والغلاء وتدني الدخل، فعلى سبيل المثال أدى ارتفاع سعر المازوت لوصول أسعار الفلاحة الي أرقام فلكية، وأيضاً ارتفاع أسعار الأسمدة بعشرات الأضعاف عما كانت عليه سابقا.

وضاعف معاناته توقف المصارف الزراعية عن منح الفلاحين القروض الميسرة التي تساعدهم على الإنفاق للعمل الزراعي مثل التعشيب والحصاد وأجور اليد العاملة لمختلف العمليات.

ويؤكد الخبير الزراعي أنه في حال تجاوز الفلاح كل هذه الصعوبات، لكنه بسبب واقع معيشته وتكرار الخسائر التي أثرت على حياته سلباً، بات يرفض المقامرة على المستقبل ووضع إنتاجه في مهب الريح عرضة لتلاعب التجار وقانون العرض والطلب وخاصة في المحاصيل الاستراتيجية كالقطن وسوف يسأل نفسه والدولة أيضاً، أين مؤسسات الدولة التي يجب أن تتسوق إنتاجه دون أن يتكبد أي خسارة ولا أعتقد أنه سيسمع جواباً شافياً.

دعم الزراعة

ويوضخ الخبير الزراعي عيسى أن دولاً كالولايات المتحدة وبريطانيا ممن تتبع نظام الاقتصاد الحر تدعم الزراعة بطرق مختلفة سواء قبل بدء عمليات الإنتاج الزراعي من خلال ما سبق ذكره عبر تقديم القروض بفوائد متدنية ودعم مستلزمات الإنتاج، أو عبر تسويق إنتاج الفلاحين بأسعار تكاليف الإنتاج مع هامش ربح مجزٍ، أو منحهم مكافٱت على كل طن يصدر من إنتاجهم، بالتالي من الضروري توجه الحكومة إلى اعتماد سياسة داعمة للقطاع الزراعي والفلاح.

ويشدد الخبير عيسى في ختام حديثه على أن معادلة دعم الزراعة لتشجيع الفلاحين على العودة للنشاط الزراعي والعودة لقراهم تشترط تحقيق ما سبق، مع التأكيد على أن أموال الدعم ستعود لموازنة الدولة عبر تحقيق الأمن الغذائي ووقف استنزاف القطع الأجنبي وبتحريك السوق والحد من البطالة وتأمين صادرات تعزز من قوة الاقتصاد وتنوع َمصادره.

Leave a Comment
آخر الأخبار