الحرية – ميسون شباني:
المسرح.. ذلك الفن الذي لطالما حمل في طياته رسائل نقدية واجتماعية، يمر اليوم في مرحلة حرجة في ظل الظروف السياسية والاقتصادية التي أثرت على مختلف مجالات الحياة في سوريا.لكن رغم هذا الوضع، يبقى المسرح في قلب الفنان السوري هشام كفارنة، الذي عاش تفاصيل هذا الفن منذ سنوات شبابه الأولى.
من على خشبة المسرح، بدأ مسيرته الفنية، ومن خلالها شكّل رؤيته الجمالية والفكرية، ليظل حتى اليوم واحداً من أبرز الأسماء التي حجزت مكانتها في ذاكرة الفن السوري.
في هذا الحوار لصحيفتنا الحرية، بدأ كفارنة حديثه عن هموم المسرح السوري، وانتقل إلى مآلاته في ظل واقع شديد التغير، وصولاً إلى تطلعاته في تقديم أعمال تُلامس الوجدان وتسحفّز التفكير.
فالمسرح بالنسبة له لم يكن يوماً مجرد خشبة يُصعد عليها، بل هو المكان الذي يلتقي فيه مع ذاته، مع الجمهور، ومع الأسئلة الكبرى التي تعيش في قلب الحياة.
بين التحديات والإبداع المتجدد
في البداية، يُعبر هشام كفارنة عن قلقه العميق إزاء واقع المسرح في سوريا، حيث يشير إلى أن هناك تحديات مادية ضخمة تواجه هذا الفن الحيوي، وأثر هذه التحديات على الإنتاج المسرحي بشكل عام. يقول: “يعاني المسرح اليوم من العديد من الصعوبات التي تعيق تطوره.
فالعروض أصبحت أقل عدداً والجمهور لم يعد يجد التنوع الذي كان يجده في الماضي. هناك أزمة حقيقية في الإنتاج، سواء على مستوى الإمكانيات أو على مستوى القدرة على الوصول إلى جمهور أوسع، ما يواجهه المسرح السوري اليوم هو أزمة في الدعم المادي والتوجيه الفني.”
ويُضيف كفارنة إنه رغم هذه التحديات، يظل الفن قادراً على العطاء، لأن المبدع الحقيقي لا يحده ظرف أو زمن فالإبداع في المسرح ليس محكوماً بالموارد فقط. إذا كان هناك إيمان بالفن، فإنه يمكن للفنان أن يخلق العروض المؤثرة رغم كل المعوقات”.

المسرح والفن بعيداً عن السياسة
يرفض كفارنة أن يكون الفن مسرحاً للوعظ أو توجيه الرسائل السياسية المباشرة، مؤكداً أن الفن والمسرح خاصة يجب أن يبقيا بعيدين عن التورط في السياسة بشكل مباشر.
في هذا الصدد قال كفارنة: “المسرح يجب أن يكون مرآة للحياة الإنسانية، وأن يعكس القيم والأفكار التي تمسّ قلب الإنسان. السياسة تترك أثرها في الفن بشكل غير مباشر، من غير أن يتحول الفن إلى أداة لتحقيق أغراض سياسية أو خطابية.
فالفكرة الأساسية في المسرح هي تحفيز الجمهور على التفكير والتأمل، لا تقديم حلول جاهزة أو أفكار أحادية”.
ويشير كفارنة إلى أن الفنان يجب أن يظل مخلصاً لفنه، وألا يصبح في خدمة أي جهة، لأن الفن إذا وقع في فخ الأيديولوجيا، يفقد قوته وتأثيره.
جوانب جديدة من الشخصيات
من خلال تجسيده لشخصية “حامد الصافي أبو سليم” في الجزء الثاني من مسلسل “تحت الأرض”, يعكس هشام كفارنة جانباً آخر من إبداعه الفني.
فشخصيته في هذا العمل هي إحدى الشخصيات المعقدة التي تعيش صراعات داخلية وخارجية تضعها في مواجهة مع قسوة الواقع. حول هذه الشخصية، يقول كفارنة: “حامد الصافي في الجزء الثاني من “تحت الأرض” يمر بتجربة حياتية قاسية تؤثر في نفسيته بشكل كبير.
الشخصية تتعرض لمواقف صعبة تتطلب مني التفاعل مع مواقف معقدة وعميقة، وهذا يتيح لي فرصة لإظهار وجوه جديدة من الشخصية لم يُكشف عنها من قبل”، وأشار إلى أن المسلسل يحمل في طياته الكثير من التحولات الدرامية المثيرة التي تزيد من تعقيد الأحداث، ما يجعل العمل أكثر إثارة وتحدياً.
تواصل حيّ مع الجمهور
وعن آخر أعماله المسرحية، يتوقف كفارنة عند عرضه الأخير “عرس مطنطن” في موسم الرياض، حيث قام بتجسيد شخصية “الشيخ وضاح أبو نوفل” في مسرحية أخرجها المخرج عروة العربي.
كان تفاعل الجمهور في الرياض مع العرض أحد العناصر المميزة لهذه التجربة، حيث عبّر كفارنة عن سعادته بالتفاعل المباشر مع الجمهور قائلاً: “كانت الأجواء في الرياض مميزة جداً، والشعور بأن الجمهور يشاركك في العرض بشكل حيّ يعكس أهمية المسرح كأداة تواصل حية مع الناس.
دور “الشيخ وضاح” كان يتطلب تركيزاً كبيراً لأن الشخصية تدافع عن القيم الإنسانية وتحاول نشر الخير في عالم مليء بالتحديات”.
وأضاف: “هذه التجربة في الرياض كانت من أجمل اللحظات التي عشتها كممثل، لأن الجمهور هناك كان متفاعلًا بشكل استثنائي، وهو ما جعلني أستمد طاقة كبيرة أثناء تقديم الدور.”
بين الأصالة والتجديد
بعيداً عن التمثيل، يواصل هشام كفارنة تقديم شعره الذي يعكس رؤيته العميقة للحياة والإنسانية.
ففي ديوانه الشعري الثاني “واحكم علي بما تشاء”, الذي أطلقه بعد أكثر من ثلاثة عقود من ديوانه الأول “قمرٌ حالك الليل المتباطئ”, بقي كفارنة متمسكاً بالأوزان الشعرية التقليدية، متجاوزاً الشكل التقليدي للقصيدة إلى فضاءات أوسع.
ويشير كفارنة بأن الشعر بالنسبة له هو ميدان مفتوح للتعبير عن كل ما يختلج في القلب.
ديوانه الجديد جاء ليُعبر عن أفكاره ومشاعره تجاه الوطن، الحب، والفقد.
ويؤكد بأنه في هذا الديوان حاول التجديد في الشعر الكلاسيكي دون أن يفقد روحه الأصلية.
وأضاف إن التزامه بالأوزان الشعرية التقليدية لا يعني الجمود، بل هو رغبة في الحفاظ على الأصالة مع إضفاء لمسة حديثة”.
ونوّه كفارنة بأن هذا الديوان ليس مجرد كلمات، بل صدى لما يعيشه الإنسان من مشاعر وأفكار في زمن مليء بالتحولات.
إبداع لا يتوقف
على مدار مسيرته الطويلة، قدم هشام كفارنة العديد من الأعمال التي شكّلت محطات هامة في مسيرته الفنية، من أبرز أعماله المسرحية: الزنزانة، بيت الدمى، الغزاة، الموت والعذراء، عبلة وعنتر، البيت ذو الشرفات، فاوست، بيت بلا شرفات، بيت العيد، ماتاهاري، بيت الشغف، الأشجار تموت واقفة.
كما شارك في العديد من المهرجانات منها : مهرجان دمشق المسرحي لعدة دورات، مهرجان البحر الأبيض المتوسط– إيطاليا، مهرجان الفجر– إيران، مهرجان مكان– تركيا، مهرجان المسرح الوطني– مكناس، مهرجان المسرح الوطني– الجزائر، مهرجان أفينيون– فرنسا.
وقدم العديد من الشخصيات الدرامية في عدة مسلسلات مثل: “رائحة الروح، الطواريد، زمن البرغوت، الخبز الحرام، باب الحارة ج13، دقيقة صمت، شوارع الشام العتيقة، لعنة الطين.. وغيرها من الأعمال.