الحرية – باسمة إسماعيل:
تفرض التحديات الاقتصادية والظروف المتغيرة على المؤسسات السورية البحث عن أدوات أكثر كفاءة في إدارة مواردها وتحسين أدائها، وفي مقدمتها تطوير آليات اتخاذ القرار، فبناء قرار مؤسسي قائم على أسس علمية وتحليل واقعي لا يسهم فقط في رفع كفاءة العمل، بل يعزز أيضاً قدرة المؤسسات على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية ومواصلة دورها الإنتاجي والخدمي.
ففي ظل التحولات الاقتصادية والضغوط المتزايدة التي تواجه مختلف القطاعات في سوريا، تصبح كفاءة القرار المؤسسي عاملاً حاسماً في الحفاظ على استمرارية العمل وتحسين الأداء الاقتصادي. وفي هذا السياق يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد نبيل خيربك أهمية بناء منظومة قرار مؤسسية تستند إلى أسس علمية ومنهجية واضحة.
القرار المؤسسي… ضرورة اقتصادية لا خيار إداري
وفي تصريح خاص لـ “الحرية”، أكد الدكتور أحمد نبيل خيربك، دكتوراه في الاقتصاد تخصص تنمية وسكان من جامعة اللاذقية، أن الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد تفرض على المؤسسات السورية تطوير آليات اتخاذ القرار بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي المتغير.
وأوضح أن القرار الإداري لم يعد مجرد إجراء تنظيمي، بل أصبح أداة اقتصادية أساسية تسهم في ترشيد الموارد، وتحسين كفاءة الأداء، وضمان استمرارية المؤسسات في بيئة مليئة بالتحديات. فالمؤسسات التي تبني قراراتها على أسس علمية ومنهجية واضحة تستطيع تحقيق نتائج أفضل بأقل التكاليف، وتكون أكثر قدرة على مجاراة المتغيرات الاقتصادية.
أسس القرار الاقتصادي الفعّال
يشير الدكتور خيربك إلى أن القرار المؤسسي القادر على تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة يجب أن يقوم على مجموعة من الركائز الأساسية، من أبرزها:
هدف واضح وقابل للقياس، حيث يعد تحديد الهدف بدقة الخطوة الأولى في أي عملية قرار ناجحة، فالأهداف العامة لا تنتج حلولاً عملية. بينما يسمح الهدف المحدد – مثل خفض استهلاك الطاقة أو تحسين الإنتاجية بنسبة معينة – بتحويل القرار إلى برنامج عمل واضح المعالم.
الاعتماد على البيانات الدقيقة
في بيئة اقتصادية متقلبة، تصبح جودة المعلومات عاملاً حاسماً في نجاح القرار. فالقرارات المبنية على بيانات غير دقيقة أو قديمة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، في حين أن المعلومات المحدثة تتيح قراءة أفضل للواقع الاقتصادي.
تعدد البدائل قبل الحسم
يؤكد خيربك أن حصر القرار في خيار واحد يعد خطأ شائعاً، إذ إن دراسة عدة بدائل تفتح المجال لاختيار الحل الأكثر كفاءة اقتصادياً من حيث التكلفة والنتائج.
ـ التحليل العلمي والموضوعية، من خلال استخدام أدوات التحليل الاقتصادي والإداري العملية، مثل تحليل نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات (SWOT) أو مصفوفات القرار يسهم في تقليل التأثيرات الشخصية والعاطفية، ويعزز موضوعية الاختيار.
ـ معايير واضحة للمفاضلة، كتحديد معايير مثل التكلفة، ومدة التنفيذ، وسهولة التطبيق، والأثر الاقتصادي والاجتماعي يساعد في اختيار البديل الذي يحقق أعلى قيمة للمؤسسة.
إدارة المخاطر الاقتصادية
فكل قرار يحمل فرصاً ومخاطر محتملة، ولذلك فإن دراسة السيناريوهات المختلفة ووضع خطط بديلة، يعد جزءاً أساسياً من عملية اتخاذ القرار الرشيد.
ـ اختيار التوقيت المناسب، حيث يلعب عامل الزمن دوراً مهماً في نجاح القرار الاقتصادي، إذ إن التسرع قد يقود إلى أخطاء مكلفة، بينما يؤدي التأخير أحياناً إلى ضياع فرص مهمة.
الواقعية وقابلية التنفيذ
القرار الناجح هو القرار الذي يأخذ بعين الاعتبار الموارد المتاحة للمؤسسة من إمكانات مالية وبشرية وتقنية، بحيث يكون قابلاً للتطبيق العملي.
ـ المراجعة والتقييم المستمر، حيث لا تنتهي عملية اتخاذ القرار عند التنفيذ، بل يجب متابعة النتائج ومقارنتها بالأهداف لتصحيح المسار وتعزيز الكفاءة الاقتصادية.
التفكير النقدي… أداة لفهم الواقع ولتحسين الأداء المؤسسي
ويؤكد الدكتور خيربك أن تعزيز ثقافة التفكير النقدي داخل المؤسسات، يعد من العوامل المهمة في تحسين جودة القرارات، فالتفكير النقدي يقوم على تحليل المعطيات بدقة، والبحث في الأسباب الجذرية للمشكلات، واختبار منطقية الاستنتاجات قبل اعتمادها،
كما يتيح هذا النهج للمؤسسات النظر إلى القضايا من مختلف الزوايا، بما يضمن تحقيق توازن أفضل بين الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية.
تحديات تواجه عملية اتخاذ القرار
ورغم أهمية هذه المنهجية، يلفت خيربك إلى وجود عدة عوائق قد تعرقل اتخاذ القرار الرشيد، من أبرزها:
ـ التحيزات الذهنية، مثل التفاؤل المفرط أو التشاؤم الزائد، أو الانسياق خلف رأي الأغلبية دون تحليل موضوعي.
ـ نقص المعلومات أو غموضها، إذ قد تكون البيانات المتاحة غير مكتملة أو غير دقيقة، ما يحد من القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على أسس سليمة.
ـ ضغوط العمل وضيق الوقت، فالعمل تحت ضغط كبير قد يدفع إلى اتخاذ قرارات سريعة دون دراسة كافية للبدائل والنتائج المحتملة.
ضرورة ملحة لتعزيز كفاءتها الاقتصادية والتكيف مع المتغيرات
ويخلص الدكتور أحمد نبيل خيربك إلى أن تطوير آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات السورية، ليس ترفاً أكاديمياً بل هو ضرورة ملحة تتطلب وعياً بالأسس وإدراكاً للعوائق التي تعترض العمل، ويمثل خطوة أساسية نحو تعزيز كفاءتها الاقتصادية وقدرتها على التكيف مع المتغيرات. فالقرار الرشيد القائم على المعرفة والتحليل العلمي لا يسهم فقط في تحسين الأداء المؤسسي، بل يشكل أيضاً ركيزة مهمة لدعم الاستقرار الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة.