الحرية- رشا عيسى:
يفتح طرح تحويل شركات القطاع العام إلى مساهمة عامة نقاشاً قديماً جديداً، حول معنى الإصلاح الاقتصادي وحدوده، وحول ما إذا كانت الخصخصة المقنّعة بديلاً حقيقياً عن إصلاح الإدارة والقوانين.
ورغم ما يحمله هذا الطرح من عناوين جذابة تتعلق بالحوكمة والكفاءة وجذب الاستثمارات، إلا أن مقاربته في السياق السوري تستوجب حلولاً من أرض الواقع.
من حيث المبدأ، يهدف المشروع إلى إخضاع شركات القطاع العام لقوانين السوق المالية، بما يعزز الشفافية، ويحسّن الإدارة، ويرفع كفاءة الأداء، إضافة إلى تنشيط دور السوق المالية كمصدر تمويل وداعم للنمو الاقتصادي، ويُفترض أن ينعكس ذلك إيجاباً على المالية العامة، سواء عبر تخفيف العبء عن الخزينة أو من خلال إيرادات بيع الأسهم وتوزيعات الأرباح.
غير أن التجربة العملية تشير إلى أن تحويل الشكل القانوني للشركات لا يعني بالضرورة تغيير طريقة إدارتها كما يرى الباحث والخبير في إدارة الأعمال الدكتور سعد بساطة في حديث لـ”الحرية” حيث أكد أن إبقاء الشركات بملكية الدولة الكاملة في المرحلة الأولى قد يؤدي إلى استمرارها بالعمل بالعقلية الإدارية ذاتها، وبالآليات نفسها التي تعاني منها حالياً، ما يجعل التحول شكلياً أكثر منه إصلاحياً.
الإشكالية الحقيقية
وتبرز الإشكالية الحقيقية عند الانتقال إلى مرحلة طرح الأسهم للقطاع الخاص، هنا يصبح السؤال ما هي نسبة الملكية التي ستحتفظ بها الدولة؟ فإذا تجاوزت حصة الدولة 50%؟، فمن المرجح أن يكون الإقبال على شراء الأسهم محدوداً، وبأسعار منخفضة، وغالباً من قبل فئات متنفذة، أما إذا خفّضت الدولة حصتها إلى أقل من ذلك أو تخلت عنها بالكامل، فقد يتحسن الإقبال، لكن القيمة السوقية ستكون في معظم الحالات متدنية، ما يعني أن المستفيد الأكبر سيكون القطاع الخاص، لا الخزينة العامة.
من زاوية أخرى، يؤكد الدكتور بساطة أن التعامل مع شركات القطاع العام كوحدة متجانسة يُعد خطأً منهجياً، فالواقع يفرض إجراء تحليل منفصل لكل شركة على حدة، باستخدام أدوات تقييم علمية مثل تحليل “SWOT”، لتحديد مكامن القوة والضعف والفرص والمخاطر، قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بمصيرها.
أنواع الشركات
ويميّز الدكتور بساطة بين نوعين من الشركات، الأولى شركات صناعية منتهية اقتصادياً، تشكّل عبئاً دائماً على الدولة، مثل بعض صناعات البسكويت، والألبان، والجوارب، والمحارم، والألبسة الرجالية، ويرى أن الأنسب في هذه الحالات هو فتح المجال أمام القطاع الخاص، ولو بصيغة تأجير الأراضي والمنشآت، بما يسمح باستثمار الأصول القائمة والتخفيف من الأعباء المالية.
في المقابل، هناك شركات ومؤسسات استراتيجية يؤكد الدكتور بساطة ضرورة بقائها بيد الدولة، مثل مؤسسة التبغ، واستخراج الرخام، واستخراج النفط وتكريره، والفوسفات، ويشير إلى أن منح هذه المؤسسات حرية العمل وفق القوانين المطبقة على القطاع الخاص، دون التخلي عن ملكيتها العامة، يمكن أن يجعلها تحقق إيرادات صافية للخزينة تتجاوز مليار دولار سنوياً.
توحيد البيئة القانونية
ويؤكد بساطة أن المدخل الحقيقي لإصلاح القطاع العام لا يكمن في الخصخصة أو التحويل الشكلي للملكية، بل في توحيد البيئة القانونية بين القطاعين العام والخاص، وتحرير الشركات العامة من القيود الإدارية غير المبررة، مع تقييم أصولها وفق الأسعار الحقيقية الحالية، ومن ثم اتخاذ القرار الأنسب لكل حالة على حدة.
عمل مؤسسي
إن إصلاح القطاع العام، كما يؤكد بساطة، يتطلب عملاً مؤسسياً متكاملاً، ودراسات معمّقة، وإرادة سياسية واقتصادية واضحة، أما القفز مباشرة إلى عناوين براقة دون معالجة الجذور، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج المشكلات نفسها بصيغ جديدة.