الحرية – د. رحيم هادي الشمخي:
زرت صديقاً صاحب منصب كبير، بينما كان يجلس معي في صالون المكتب أتيح لي أن أتأمل كرسي مكتبه.. كرسي ضخم فخم دوّار، استأذنته في استعماله لدقائق حتى أعرف الأعراض التي تظهر على بني آدم إذا جلس على مثل هذا الكرسي.
وما إن اتخذت مجلسي ارتسمت على وجهي تكشيرة تعكس وقاراً وعظمة.. ويبدو أن كبار الموظفين يتسلّمون هذه التكشيرة عهدة مع الكرسي ويسلّمونها عند رحيلهم عنه، وكذلك لاحظت أن الكرسي واسع جداً ولا أستطيع أن أملأه، فكانت النتيجة أن تجهُّمي كان أكبر وإحساسي بالتعالي والعظمة كان أشد.
بعد دقائق قال لي حضرة صاحب الكرسي يكفيك هذا القدر.. غير أني شعرت بأنني أتشبّث بالجلوس على الكرسي واستمرأته، وبدا لي الكرسي كما لو كان يرسل إشعاعات مسلطة على المخ، فبدأتُ أحسُّ بالفصام البارانوي أو جنون العظمة والشعور بالارتياب وأن مؤامرة تُدبّر لانتزاعي عن الكرسي، حاولت النهوض من الكرسي استجابة لإلحاح الصديق حضرة صاحب الكرسي، لكنني فشلت، ولاح لي الرجل وكأنما قد تحول إلى الإنسان الأخضر، إذا انتفخ غضباً وتبدّت عليه بوضوح أعراض مرض «الكرسي فوبيا» أي جنون الخوف من فقدان الكرسي.
وغريزة البحث عن كرسي لا تقلّ أهمية عن غريزة البحث عن الطعام، فكما اهتم الإنسان بالطعام وتفنّن في ألوانه اهتم أيضاً بالكرسي وتفنن في أشكاله، فهذا كرسي لوي كانز، وهذا كرسي كوين آن، وهذا كرسي البرلمان وهذا كرسي الوزارة.
ويقال إن الإنسان العبقري يبدأ يتعلم المشي وعمره ستة شهور، وما إن يبلغ سن الترشيح للبرلمان أو للوزارة حتى يكون قد تعب من المشي سنين طويلة وأصبح في حاجة إلى كرسي يجلس عليه.
والكرسي مشتق من الفعل كرّس يكرّس تكريساً، فيقال استكرس المرشح الناس أي صعد على أكتافهم إلى كرسي العلالي، ويقال رجل متكرس، أي بذل الغالي والنفيس في سبيل الوصول إلى الكرسي ويقال رجل مكراس، أي رجل التصق بالكرسي وهام به عشقاً وأصبح من المتعذر انتزاعه منه إلا بعملية جراحية، والمشتقات بعد ذلك كثيرة ومتنوعة: رجل كروس ورجل متكارس على الكرسي ورجل كرسيس.
وقد فكّرت ذات يوم أن استكرس (راجع التفسير أعلاه) وكان لابدّ لذلك من دراسة إجراء الانتخابات في كل موسم انتخابي، فعرفت أن خطب المرشحين لا تحتاج منهم إلى تفكير، فلا وقت عند هؤلاء المرشحين للتفكير لأن الكلام يستغرق كلّ وقتهم، كذلك لاحظت أن الإنسان عند ترشيحه لنفسه تحلّ في كيانه أعظم السجايا فيصبح المحسن الكبير والمواطن الصادق والمخلص والطاهر والنزيه والأمين.
كما يطلقون عليه أحياناً رجل الساعة خصوصاً إذا عرف الناخبون أنه يوزع ساعات يد ماركة فاخرة.