سعر الكيلو 250 ألف ليرة.. “الكمأة” مصدر دخل لعوائل بدير الزور تحفه مخاطر الألغام !

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – عثمان الخلف:

يُقبلُ أهالي محافظة دير الزور مع موسم الأمطار الغزيرة، والمُترافقة عادة بالبرق والرعد على جمع “الكمأة” أو كما تُعرف محلياً بـ”الجما”، وتُباع بأسعار مرتفعة جداً،
ويبدأ موسم جمع الكمأة في بادية دير الزور عادةً من أواخر شهر كانون الثاني من كل عام، ويستمر حتى نهاية موسم الأمطار في الربيع، حيث تنبت في الأراضي الرملية بعد منخفضات مطرية، مصحوبة بالبرق والرعد.  حيث يعتبر جمعها مصدراً للدخل، لكنه ومنذ سنوات يحمل مخاطر عالية بسبب الألغام الأرضية التي زرعتها قوات النظام البائد وميليشياته.

أسعار مُرتفعة ومخاطر

حملت المنخفضات الجويّة المتواليّة هذا العام، والتي ترافقت بالأمطار الغزيرة، المصحوبة بالرعد والبرق، تباشير موسمٍ غني بـ”الكمأة” لأهالي ديرالزور ممن يعملون في جمعها، فيما وصلت أسعار مبيع الكيلو الواحد منها إلى 250 ألف ليرة.
يُشير جاسم الحمد – من سكان بلدة الخريطَة – في حديثه لـ”الحرية” إلى أنه بات باستطاعة من يرغب في جمع ” الكمأة “، بعد أن كانت في زمن النظام البائد، مقصورة على قادة جيشه وأفرعه الأمنيّة أو قادة ميليشياته ممن تاجروا بهذه النبته الربانيّة، وفق وصفه، وجنوا أموالاً طائلة في حين قضى الكثير من جامعيها من المواطنين ضحايا الألغام التي زُرعت بالبادية، ناهيك عن الإصابات و فقدان الأطراف.
موضحاً أن مخاطر الألغام التي تتهدد جامعيها لا تزال للآن، حيث توفي منذ أيام شخصان في بادية بلدة الدوير، التابعة لمدينة البوكمال نتيجة انفجار لغم أرضي بمجموعة من الشبان في أثناء عملهم في جمع “الكمأة” بتلك المنطقة.
من جانبه يؤكد المواطن محمد العيسى بأن مخاطر الألغام التي زرعها النظام وميليشياته لا تزال قائمة، وهنالك خشية لدى الأهالي ممن يعملون حالياً على جمع تلك المادة، أما عن شرائها، فحتماً ليست بمتناول الجميع، فهذه أسعار ربما لا يقدر عليها سوى قلة ضئيلة ممن يمتلكون المال، ولا أبالغ إن قلت إن أكثر من 80 – 90 % ليس بمقدورهم شراؤها، في ظل أوضاع معيشية خاتقة، مع التنويه إلى أن أغلب المداخيل هي لأسر تعيش على الراتب الحكومي الذي يتجاوز المليون ليرة بقليل.
ويستذكر عايش الكراد في سنوات حكم نظام الأسد، مدى المنع الذي مارسه قادته العسكريون والأمنيون الذين قصروا أمر العمل بجمع ” الكمأة ” والانتفاع بمردوده لحساباتهم الشخصيّة، فيُسمح بالعمل للأفراد بيومياتهم لصالح تسويقه وبيعه من قبل مرتبطين بهم، فيما يتم تصدير المادة للخارج ويجنون أرباحها، مشيراً إلى أنه لايكاد يمر يوم ولانسمع فيه عن ضحايا وإصابات، ففي إحدى المرات لقي 17 شخصاً مصرعهم وأصيب العشرات منهم في حادثة انفجار لغم أرضي بمنطقة كباجب في بادية دير الزور الجنوبية الغربيّة على طريق ديرالزور – تدمر.
وتتطلّب رحلة البحث عن الكمأة خبرةً، بحسب ما يُفيد أحمد الناصر، من أبناء ريف دير الزور الغربي الذي يعمل في جمع الكمأة، ويُضيف: “لديّ خبرة في معرفة أماكن انتشار ” الكمأة “، نتيجة سنين قضيتها في البادية. وثمّة أوقات يكون فيها العثور على الكمأة أمراً شبه مؤكد، ويتطلب البحث عن الكمأة  تركيزاً كبيراً، وبالتالي يتوجّب على الشخص المعني إبقاء نظره موجّهاً إلى الأرض باستمرار خلال عملية البحث حتى يتمكّن من رؤية الشقوق في الرمال التي تدلّ على وجودها وبعدها، عليه أن يتفحّص التربة الرملية، ويدخل قضيباً معدنياً لاستخراج ذلك النوع من الفطر”، مشيراً إلى أنّ “المطر الغزير كان مفيداً لنا في كثير من الأحيان، إذ إنّ السيول جرفت ألغاماً أرضية فصرنا نراها بوضوح ونتجنّب مخاطرها، بالإضافة إلى أنّ تلك السيول تؤدّي إلى ظهور الكمأة على سطح الأرض”.

أنواع الكمأة

الدكتور فواز عبود الحاجي من جامعة الفرات قسم البساتين، أوضح في حديثه لـ”الحرية” أن ” الكمأة ” فطر ينمو برياً، وهو بسيط في تكوينه وتركيبه، ويتميز بمذاقه الطيب الذي لا يضاهيه أي نوع من النبات أو اللحوم، ويُصنف ضمن مجموعة الفطريات. وينمو برياً في البوادي ويُعد من الفطريات الشحميّة فهي كروية الشكل تنمو تحت سطح الأرض، ولها عدة أنواع، منها : “الزبيدي”، الذي يُعد أفضل نوع في العالم، وتشتهر بها بادية السخنة (ريف حمص الشرقي)، حيث يمتاز هذا النوع بكبر حجمه، ولونه قريب من الأبيض، وهناك “الخلاسي”، حجم أصغر، وقريب من اللون الأحمر، و”الجيبي”، لونه أسود، و”الهوبر”، لونه أسود، وما بداخله أبيض، وحجمه صغير جداً، تشبه حبّة البندق، ويظهر هذا النوع قبل ظهور الكمأة الأصلية

” لحمة بلا عظم “

وتحدث الباحث في التراث غسان رمضان لـ”الحرية ” عما يُشاع من معلومات طبيّة في أحاديث أبناء دير الزور عن ” الكمأة ” وكونها بديلاً نباتياً للحوم، فتسمع الباعة يُنادون عليها في أسواق البيع  قائلين: ( لحمة بلا عظم )، حيث تحتوي على أكثر من 20% من البروتين، ومعظم المغذيات الضرورية للجسم، وتُستعمل شعبياً في علاج هشاشة الأظافر وتكسرها، وتساعد في التئام تشقق الشفتين، وتقوي الذاكرة، ويتداول الأهالي  الحديث النبوي بشأنها والذي يقول: “الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين”، وتُستخدم في علاج التراخوما وتقوية البصر.
ويُطلق عليها شعبياً اسم ” بنت الرعد “، وفقاً لحديث الباحث رمضان، لأنها تنبت نتيجة الأمطار الغزيرة المصحوبة بالرعد (البرق) في البادية، لكن غلاء سعرها في وقتنا الحاضر جعلها لموائد الأغنياء فقط، رغم أنها أحد الأطباق التراثية في المحافظة ويتم إعدادها بالسمن العربي واللحوم .

Leave a Comment
آخر الأخبار