المال المتعثر.. حق لايموت 

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- عمران محفوض:

تعود مسألة القروض المتعثرة إلى الواجهة المالية مجدداً وسط تكهنات سوقية بوجود أزمة ملاءة في بعض المصارف، وكأن تذكير الدولة بحقها يحتاج إلى مبررات رسمية، وظروف وقتية أو مالية تعجل أو تؤجل موعد المطالبة وإبراء الذمم وتحصيل الديون.
عشرات السنوات مرت، ولم يبادر الكثير ممن حصلوا على قروض من المصارف العامة إلى سداد الأقساط المترتبة عليهم؛ أيام كان بمقدورهم فعل ذلك فهل سيفعلون اليوم..؟ بالتأكيد إن مسألة عدم التسديد ليس لها علاقة بالتوقيت، ولا بعدد الأقساط المستحقة على المقترضين، بل يتعلق الأمر بعدم نية المتعثرين على السداد من جهة، وبعزم وجدية الجهات المعنية على إلزامهم بسداد أقساط قروضهم من جهة أخرى.
بكلتا الحالتين؛ المال العام لا يقبل القسمة على اثنين.. أما يعاد كله إلى خزائن المؤسسات المالية التي أقرضته، أو تكون الضمانات بديلة عنه، ولو تم اعتماد هذا الحل في وقته لما كان التقصير في الملاحقة سيد الموقف، والمال العام “داشر” بين أيادي من طرق أبواب المصارف متوسلاً إقراضه ثم تناسى لاحقاً طريق العودة لرد الديون.
اليوم نحن أمام إشكالية اقتصادية تستدعي طرح السؤال المباشر التالي: ما أسباب تعثر المقترضين عن السداد طوال عقود مضت، وعجز  المصارف عن تحصيل ديونها ..؟.
الإجابة على هذا السؤال لا تقبل الحيادية، فالدين يجب أن يرد إلى الدائن أياً يكن .. فكيف إذا كان مالك المال هو الدولة؟ حينها يكون أمر السداد أكثر من ملح للتنفيذ، ويصبح المتعثر خصماً لا يجوز العفو أو التسامح معه، ولاينبغي التلكؤ في مطالبته، ومن هذه الناحية لا يمكن الأخذ بالأسباب كذريعة للتملص من السداد أو التوهم بأن القرض يسقط بالتقادم ..
– تسببت الحرب في دمار  بعض المنشآت والمصانع، ما أفقد المقترضين مصادر دخلهم، وجعل ضمانات القروض (خطوط إنتاج، عقارات، آليات) بلا قيمة حقيقية.
– أدى التضخم المرتفع، وانخفاض سعر صرف الليرة خلال العقد الأخير إلى زيادة عبء الديون بالنسبة للمقترضين.
– حدّ قانون “قيصر”، والعقوبات الاقتصادية الغربية من عمل الشركات السورية في الإنتاج والتمويل والتصدير.
لعل تلك بعض الأسباب التي اتكأ عليها معظم المقترضين المتعثرين خلال ال 15 سنة الماضية.. لكن المصارف تقول: إن لديها مقترضين متعثرين لم يسددوا الأقساط المترتبة عليهم منذ ثلاثة أو أربعة عقود، وحينها كانت الحركة الاقتصادية نشطة نسبياً وعجلة الإنتاج والتصدير تدور في فلك اتفاقيات التجارة الحرة العربية والدولية ذهاباً واياباً دون قيود ولا رسوم مرتفعة، ومع ذلك لم يسدد هؤلاء المقترضين سوى عدة أقساط ثم ساروا في طريق التعثر  مدعين الإفلاس أو متلطين وراء نفوذ بعض الموظفين الفاسدين الذي اتخذوا من حالة غض النظر السائدة لدى بعض الجهات المعنية عن متابعة إجراءات الملاحقة القضائية والمؤسساتية للمتعثرين ستاراً لتصرفاتهم؛ حتى أصبحت الحكومة اليوم أمام قضية مزمنة تستدعي إصدار  قرار مستعجل للبت بها سريعاً من أجل استرداد مستحقات مالية تقدر بعشرات مليارات الليرات، رغم أن الواقع يشير إلى أن الحل ليس بهذه السهولة والسرعة؛ نظراً لغياب الخصم أحياناً .. فهي اليوم بين العديد من الخيارات.. إلى من ستوجه المطالبة بالتسديد للأصول أو الأبناء أو ربما الأحفاد، وكيف سيتم حساب قيمة القرض بالقيمة الاسمية أو الفعلية.. بالليرة القديمة أو الجديدة.. بالدولار أو الليرة.. بكتلة القرض أو بسعر ضماناته وفق الرائج ..؟ مع أن كل المعطيات تؤكد أن صاحب القرض استفاد منه كثيراً، والبعض ملأ الخزائن بالنقود والذهب من تدوير استثماراته، وحان وقت السداد الذي لم يعد يقبل سبباً للتأجيل حتى لو كان موت المقترض يقف عائقاً في وجه ذلك، فالمال العام يتأخر تحصيله؛ إلا أنه لا يموت بالتقادم.

Leave a Comment
آخر الأخبار