الحرية – صالح صلاح العمر:
اتخذت الحكومة خطوة جيدة في الطريق الصحيح حيث أعلنت عن زيادة على الراتب خمسين بالمئة، حيث تتجه الأنظار تلقائيًا نحو الموظفين العاملين، وكأن عجلة الحياة لا تضم سواهم، غير أن فئةً واسعةً من المجتمع، أفنت سنوات عمرها في الخدمة والعمل، تقف اليوم على هامش هذه القرارات، المتقاعدون، هؤلاء الذين أسهموا في بناء المؤسسات، وتحملوا أعباء الوظيفة لعقود، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة واقع اقتصادي متغير، دون أن تمتد إليهم يد الزيادة الأخيرة التي يُفترض أن تراعي ارتفاع تكاليف المعيشة، فالأسعار لا تميز بين عامل ومتقاعد، والاحتياجات اليومية لا تتوقف عند سن التقاعد.
المتقاعدون هم بركة الوطن
يقول الأستاذ محمود بدوي ( 77 عاماً) إن تجاهل المتقاعدين في سياسات تحسين الرواتب يثير تساؤلات جدية حول مفهوم العدالة الاجتماعية. كيف يمكن أن تُقر زيادات لفئة دون أخرى، بينما الجميع يواجه ذات الضغوط الاقتصادية؟ وهل يُعقل أن يُكافأ العطاء الطويل بالتهميش عند أول اختبار اقتصادي؟
كان يخصم من الراتب الشهري 10بالمئة لصندوق التقاعد والتي تستثمر ببعض المشاريع ويدفع لنا راتب تقاعدي من أرباحها.
حق المتقاعد ليس ترفاً
الضابط المتقاعد محمد قواس (65) عاماً يقول إن المتقاعدين لا يطالبون بامتيازات استثنائية، بل بحقوق تحفظ كرامتهم وتضمن لهم حياة مستقرة، إن إدراجهم ضمن أي إصلاحات مالية أو زيادات دورية ليس ترفًا، بل ضرورة أخلاقية واقتصادية، تعكس تقدير المجتمع لتاريخهم وتضحياتهم، وإن إنصاف المتقاعدين اليوم هو استثمار في ثقة الأجيال القادمة، فكل موظف يعلم أن ما ينتظره في نهاية مسيرته المهنية يجب أن يكون أمانًا لا قلقًا، وعدلًا لا إقصاء.
زيادة للجميع… عدا من تعبوا!
المدرس بسام سرماني (67) عاماً يقول لـ”الحرية” إن الزيادات الأخيرة في الرواتب جاءت وفق معادلة رياضية دقيقة: كل من لا يزال يركض في “ماراثون الوظيفة” له نصيب، أما من وصل إلى خط النهاية، فله التصفيق فقط! وإن المتقاعدين، هؤلاء الذين قضوا أعمارهم في العمل، استيقظوا على خبر الزيادة كما يستيقظ المشاهد على إعلانٍ جذاب، ليكتشف في النهاية أن العرض “لا يشمله”. ربما لأنهم – ببساطة – لم يعودوا “منتجين” بما يكفي في نظر بعض صناع القرار، أو لأن جيوبهم أصبحت مقاومة تلقائيًا للتضخم!
السيدة ندى 64 عاماً تقول إن الطريف في الأمر أن الأسعار لم تتقاعد بعد، فهي ما زالت في قمة نشاطها، ترتفع بحيوية، وتزور الأسواق يوميًا دون كلل أو ملل، وتطرق أبواب المتقاعدين تحديدًا بثقة: “لا تقلقوا، نحن نشمل الجميع!”
قد يقول قائل: “الميزانية لا تتحمل”. حسنًا، يبدو أنها تتحمل فقط من لم يستهلكوا أعمارهم بعد، أما الذين دفعوا الثمن مقدمًا من صحتهم وجهدهم، فمكانهم الطبيعي هو مقاعد الانتظار… وربما النسيان.
حول هذا الموضوع صرح وزير المالية أن هناك زيادة قادمة لهم في الفترة المقبلة، لكنها لم تُدرج ضمن الدفعة الحالية وأشار إلى أن العمل جارٍ على إصلاح شامل لمنظومة التقاعد والمعاشات، وليس مجرد زيادة مؤقت.
وأن الحكومة أقرت زيادة عامة بنسبة 200% للرواتب والأجور في الدولة بمن فيهم المتقاعدون والزيادات النوعية تستهدف الوظائف الحساسة لحمايتها من الفساد وتم البدء بتطبيق هذه السياسة في وزارة العدل، الزيادات النوعية غطت نحو 85% إلى 89% من العاملين في القطاع الإداري، المرسوم الرئاسي رقم 67 منح زيادة إضافية 50% لمن لم تشملهم الزيادات النوعية.
المفارقة المؤلمة أن المتقاعد يُعامل وكأنه خرج من الحياة، لا من الوظيفة فقط. كأن التقاعد يعني التوقف عن الأكل، الشراء، أو حتى دفع الفواتير! وكأن احتياجاته قررت فجأة أن تتواضع احترامًا لقرار إداري.
في النهاية، الرسالة واضحة – وإن لم تُكتب صراحة: “شكرًا لخدمتكم… والآن دبروا أموركم!”
لكن السؤال الذي يبقى معلقًا: إذا كانت هذه حال من أنهوا رحلتهم المهنية، فبأي حماس سيبدأ الآخرون رحلتهم؟