الحرية – سراب علي:
شهد المركز الثقافي في اللاذقية ندوة حوارية نوعية بعنوان “المرأة السورية… قوة وصمود في مواجهة الحرب وبناء المجتمع”، نظمتها مديرية الشؤون السياسية في المحافظة بالتعاون مع منظمة “بلا قيود” الحقوقية الدولية، بحضور محافظ اللاذقية محمد عثمان وعدد من المعنيين في المحافظة، ومشاركة نخبة من الحقوقيين والمختصين في قضايا السكان والتنمية، حيث شكلت منصة لتسليط الضوء على الدور المحوري للمرأة السورية في مرحلة ما بعد التحرير.
نموذج متفرد رغم الجرائم
وأكدت المعتقلة السابقة ورئيسة مجلس منظمة “بلا قيود” الحقوقية الدولية الدكتورة فاتن رمضان أن المرأة السورية قدمت نموذجاً استثنائياً على مدى السنوات الماضية، وكانت مثالاً يحتذى به، واستطاعت رغم كل الإجرام والتعذيب أن تكون متميزة، على عكس الصورة النمطية التي كانت تُصدر عنها، وأشارت إلى معاناة المرأة في النزوح والاغتراب، خاصة في دول اللجوء، وما سببته “الفجوة المجتمعية” التي خلقها نظام البعث من تحديات ثقافية.
وأضافت الدكتورة رمضان: ثورتنا تميزت بمعالجتها للمعاناة وسعيها لإنشاء مجتمع ونموذج جديد، واستطاعت المرأة مع الرجل أن يكون لها دور مميز بقوتها وأخلاقها وعلمها، وأنا امرأة سورية قوية، قادرة على الدفاع عن قضيتها في كل المحافل.

من كسر القيود إلى بناء المؤسسات
وفي حديث رمضان عن تجربة منظمتها التي بدأت تحت اسم “ناجيات”، حيث كان الهدف الأساسي هو الاستماع للمعتقلات والناجيات، عبر جلسات لدعمهن نفسياً وتحويل معاناتهن إلى “أدوات لا تزول” مؤكدة أن الألم يولد صموداً واستمراراً، لكن هذه الاستمرارية بحاجة للدعم والتمكين، وطالبت بـ”مؤسسات حاضنة للمرأة” تدعمها، فالاعتقال ليس وصمة عار، بل دليل قوة، واختتمت وصيتها للنساء السوريات بأن يكنّ نساء سوريات بامتياز، ضمن قيم مجتمعنا وأعرافه وقوانينه، والمرأة القوية المثابرة الحافظة لبيتها ومجتمعها وشرفها ووطنها.
من رعاية الظل إلى قيادة الأسرة
من جهتها، سردت الدكتورة لمى منلا المختصة في شؤون السكان والتنمية ومديرة التنمية الإدارية في تربية اللاذقية، التحول الجذري في حياة المرأة السورية، وانتقالها من مرحلة الرعاية إلى مرحلة الحماية واتخاذ القرارات المصيرية، لتصبح السند والحامي للأسرة.
وأضافت منلا: انتقلت من الظل إلى القيادة في لحظة صدمة بغياب الزوج القسري، وتحمّلت أعباء نفسية ثقيلة وتغيرات اقتصادية هائلة، مع تغيب الأدوار البنيوية للأسرة التي لم تعد قادرة على مساندتها، ورأت أن النساء اللواتي تداخلت أدوارهن مع أدوار أمهات “جداتهن” من ذوي الشهداء، تحملن مسؤوليات مضاعفة وصعبة، ما أسفر عن “نساء قويات مرشدات”.
ووجهت الدكتورة لمى وصيتها للمرأة والرجل معاً قائلةً: نحن بعد التحرير نصنع الهوية البصرية الجديدة لمجتمعنا، نعترف بحجم الألم وبوجود الآخر وتضحياته، نحن على أعتاب كتابة عقد اجتماعي جديد، والمرأة هي الأقدر على أن تكون مهندسة سلام، نبحث عن علاقة تكامل بين الرجل والمرأة، لا تفاضل.
توثيق الانتهاكات
بدوره، استعرض المدير التنفيذي لمنظمة “بلا قيود” الحقوقية الدولية صلاح الصافي، التحديات التي واجهت المرأة المعتقلة سابقاً، وأبرزها النظرة من المجتمع التي تمنعها من البوح بكل أنماط التعذيب والضغوط النفسية، وأكد أن تحويل المعتقلة إلى ناجية، ثم إلى سيدة تقدم كل القوة لباقي السيدات، هو أمر غاية في الصعوبة.
وأشار إلى أن ما بعد التحرير منح السيدات مساحة أكبر للتعبير عن ذواتهن وألمهن، وتحدث عن مشاريع المنظمة لتمكين النساء اقتصادياً، إلى جانب عملها الأساسي في توثيق الانتهاكات وجرائم الحرب، مشيراً إلى قصص نجاح مذهلة على مدار 14 عاماً، رغم التحديات القانونية والمجتمعية.
الوعي الجمعي حماية للتاريخ
واختتمت الناشطة الحقوقية والمعتقلة السابقة باسمة جبري والتي شاركت عن طريق “سكايب” اللقاء بتجربتها الشخصية، حيث شرحت كيفية تحويل الألم إلى “وعي جماعي” يكون ملهماً للأجيال.
وأضافت: الوعي الجمعي يحمينا ويشكل تاريخنا ويوجه سلوكنا المستقبلي، بعد تحريري من الاعتقال عملت على توثيق حالات الفقد والاعتقال، وكانت السيدة السورية هي مثال العفة والكرامة، ونحن نطمح لدولة لا يعلو فيها صوت على صوت القانون، ودعت إلى إشراك الناجيات في بناء المجتمع، لأنه سيكون فيه الكثير من الإبداع، ووجهت وصيتها الأخيرة للحاضرات حوّلوا طاقة الخوف إلى طاقة قوة وعمل واستمرارية، حققوا أفكاركم، لا تشككوا في تجاربكم، واكتبوا قصصكم ولا تدعوا أحداً يشكك في سرديتكم.
كما استذكرت عدد من الناجيات من الاعتقال المشاركات في الندوة بعضاً مما تعرضن له من التعذيب داخل السجون ومنهن المعتقلة الناجية أحلام أحمد ياسين والتي لا تزال تنظر خبراً عن أخيها المعتقل عبدالرحمن ياسين وزوجته الدكتورة رانيا العباسي وأولادهم الستة الذين تم إخفاؤهم داخل السجون.