الحرية- مها يوسف:
يسعى كثير من الأهالي إلى توفير كل ما يحتاجه الأبناء من دعم مادي وتعليمي اعتقاداً منهم أن ذلك يسهّل طريق النجاح لكن الإفراط في الدلال وتلبية جميع الاحتياجات قد يترك آثاراً عكسية على سلوك المراهق وشعوره بالمسؤولية، ويظهر أثره لاحقاً في التحصيل الدراسي وطريقة التعامل مع التحديات.
دلال مفرط
وترى الدكتورة في جامعة طرطوس– كلية التربية/ قسم الإرشاد النفسي مايا بركات أن الإفراط في تلبية حاجات الأبناء يخلق بيئة لا يشعر فيها المراهق بالحاجة إلى بذل الجهد للحصول على ما يريد، ما يضعف دافعيته للعمل وتحقيق الأهداف، فالمراهق الذي يعتاد وجود من يفكر عنه ويحل مشكلاته يكبر وهو أقل قدرة على الاعتماد على نفسه، ويجد صعوبة في تحمّل نتائج أخطائه لأنه لم يتعلم أن لكل فعل نتيجة.
وتضيف الدكتورة بركات: إن تدخل الأهل الدائم في اتخاذ القرارات يجعل المراهق معتاداً على أن يختار الآخرون عنه، فيفقد القدرة على الترجيح بين الخيارات أو تحليل المواقف والتفكير النقدي، كما قد يتردد في اتخاذ القرار أو يلجأ إلى قرارات متسرعة خوفاً من الفشل، لأنه لم يمر بتجارب صغيرة يتعلم منها تدريجياً.
التحصيل الدراسي
الدكتورة بركات توضح أن تراجع التحصيل الدراسي لدى بعض الطلاب غالباً ما يكون نتيجة تداخل عوامل تربوية واجتماعية وتكنولوجية، إلا أن التربية المدللة تمهّد لهذا التراجع لأنها تقوم على إزالة العوائق من طريق الطفل وتلبية رغباته باستمرار.
وتشير إلى أن الطالب الذي يعتمد على الأهل في تذكيره بواجباته ومتابعة دراسته لا تتشكل لديه قناعة بأن التعلم مسؤوليته الشخصية، ومع انتقاله إلى مراحل دراسية أكثر صعوبة قد يواجه تراجعاً واضحاً لأنه لم يطوّر مهارة المثابرة أو تحمل الصعوبات، كما أن الاعتياد على الحصول على الأشياء دون جهد يجعله أقل قدرة على مواجهة تحديات الدراسة، فيستسلم بسرعة عند أول صعوبة.
وتلفت الدكتورة بركات إلى أن «الموبايل» والأصدقاء يزيدان من تعقيد هذه المشكلة، فالموبايل يقدم مكافآت سريعة مثل الفيديوهات القصيرة التي تستنزف الانتباه، بينما تتطلب الدراسة تركيزاً طويلاً أما الأصدقاء، ففي مرحلة المراهقة قد يصبح تأثيرهم قوياً، فإذا كانت المجموعة لا تعطي أهمية للدراسة فقد يتبنى المراهق هذا الموقف ليشعر بالانتماء إليها.
وترى أن اجتماع هذه العوامل يخلق دائرة متكاملة: تربية مدللة تضعف المسؤولية، وموبايل يوفر وسيلة للهروب من الملل، وأصدقاء يشاركون الاهتمامات نفسها، ما قد يؤدي في النهاية إلى تراجع واضح في التحصيل الدراسي.
الاعتماد الزائد
الدكتورة بركات تشير إلى أن الاعتماد المفرط على الأهل أو الدروس الخاصة يقلل من دافعية الطالب للتعلم، فكلما زاد تدخل الأهل والمعلم الخصوصي تراجعت قدرة الطالب على الاعتماد على نفسه، ويتحوّل الدافع للدراسة من داخلي قائم على حب التعلم والإنجاز إلى دافع خارجي هدفه إرضاء الأهل أو تجنب العقاب.
وتضيف: إن الطالب الذي يعتمد دائماً على الدروس الخاصة لا يتعلم تنظيم وقته أو التركيز بشكل مستقل، ما يجعله أكثر عرضة للتأخر الدراسي أو الشعور بالكسل، وغالباً ما يدفع هذا القلق الأهل إلى زيادة تدخلهم أو تكثيف الدروس، وهو حل قد يحسّن الدرجات مؤقتاً لكنه يعزز اعتماد الطالب ويضعف ثقته بقدراته على المدى البعيد.
«الموبايل» والمراهق
الدكتورة بركات ترى أن «الموبايل» قد يؤثر سلباً في تركيز المراهق، لكن تأثيره يصبح أكبر عندما يجتمع مع الدلال الزائد، فالمراهق الذي نشأ في بيئة مدللة قد يفتقر إلى مهارات الانضباط الذاتي، ما يجعل «الموبايل» وسيلة سهلة لملء الفراغ والهروب من أي شعور بالملل أو الصعوبة.
وتوضح أن الطالب المدلل يميل إلى البحث عن المتعة السريعة، لذلك يلجأ إلى «الموبايل» عند مواجهة أول تحدٍ دراسي، كما تمنحه مواقع التواصل الاجتماعي شعوراً فورياً بالتقدير من خلال الإعجابات والتعليقات، دون الحاجة إلى إنجاز حقيقي.
وتضيف: إن المقارنة بين نشاط مرهق بعائد بعيد مثل الدراسة ونشاط ممتع وسريع مثل استخدام الموبايل غالباً ما تميل لصالح الخيار الأسهل في غياب الحدود الأسرية والرقابة الذاتية، ما قد يؤدي إلى ضعف الالتزام الدراسي وزيادة التشتت.
بناء المسؤولية
الدكتورة بركات تؤكد أن الهدف من التربية ليس فرض قيود صارمة على المراهق ولا تركه دون توجيه، بل مساعدته على بناء الاستقلالية مع الحفاظ على تواصله مع أسرته وأصدقائه.
وتقترح تحقيق ذلك من خلال المسؤولية التدريجية عبر تكليف المراهق بمهام صغيرة وتركه يتعلم من نتائج أفعاله، إضافة إلى الحرية ضمن حدود من خلال الاتفاق معه على تنظيم وقته بين الدراسة والأنشطة الاجتماعية.