الحرية- رشا عيسى:
أكد الباحث والخبير في إدارة الأعمال الدكتور سعد بساطة أن اللامركزية في سوريا الجديدة لم تعد ترفاً فكرياً بل خيار مطروح بقوة في لحظة إعادة تعريف الدولة.
إعادة توزيع أم إعادة تأسيس
يرى الدكتور بساطة خلال حديثه لـ”الحرية” أن النقاش حول اللامركزية يتجاوز فكرة نقل بعض الصلاحيات الإدارية من العاصمة إلى المحافظات، ليصل إلى إعادة تأسيس العلاقة بين السلطة والمجتمع.
فاللامركزية، وفق طرحه، تعني توزيعاً مدروساً للصلاحيات يتيح للمحافظات إدارة شؤونها الخدمية والتنموية بمرونة أعلى، ضمن إطار سيادي موحّد يحفظ وحدة الدولة.
يؤكد الدكتور بساطة أن الانقسام حول اللامركزية مفهوم في السياق السوري، فأنصارها يعتبرونها مدخلًا لإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمشاركة، وتقليصاً لهيمنة المركز التي سادت لعقود، في المقابل يتخوف آخرون من أن يؤدي سوء التطبيق إلى تفكك تدريجي أو إيجاد مراكز قوى متباينة قد تهدد الوحدة الوطنية، لكن بساطة يشدد على أن الخطر لا يكمن في الفكرة ذاتها، بل في غياب الإطار الدستوري والمؤسساتي المنظم لها.
مزايا استراتيجية
وفق تحليل الدكتور بساطة، يمكن تلخيص أبرز مزايا اللامركزية في ثلاثة محاور رئيسة:
– إدارة أكثر كفاءة للموارد المحلية، وتعزيز المشاركة السياسية، وتوسيع قاعدة اتخاذ القرار يعزز شعور المواطنين بالمسؤولية والانتماء.

– تنمية اقتصادية متوازنة، تمتلك المحافظات ميزات نسبية يمكن استثمارها بعيداً عن البيروقراطية المركزية الثقيلة، ولا يغفل الدكتور بساطة عن التحديات، بل يصفها بأنها اختبار حقيقي لمدى جاهزية الدولة، ومنها الوضع السياسي والأمني، لذلك فإن الاستقرار شرط أساسي لتوسيع الصلاحيات المحلية.
ضعف القدرات والمؤسسات
تفتقر بعض المحافظات إلى بنى إدارية قادرة على تحمّل مسؤوليات موسعة، وعليه فإن التفاوتات الإقليمية وغياب آليات تضامن وطني قد يفاقم الفجوات الاقتصادية.
يستشهد الدكتور بساطة بعدة نماذج دولية نجحت في تطبيق اللامركزية، مع تأكيد ضرورة قراءة التجارب لا استنساخها ومنها:
إسبانيا: اعتمدت نظام الأقاليم ذات الحكم الذاتي منذ 1978، ما عزز المشاركة المحلية ضمن إطار دستوري واضح.
ألمانيا: نموذج اتحادي يوزّع الصلاحيات بوضوح بين الحكومة الاتحادية والولايات، وأسهم في تحقيق تنمية متوازنة.
كندا: نظام يمنح المقاطعات صلاحيات واسعة مع آليات مالية تحافظ على التضامن الوطني.
سوريا والتجارب القائمة على الأرض
يشير الدكتور بساطة إلى أن سوريا شهدت بالفعل أشكالًا من الإدارة المحلية الموسعة، مثل تجربة الإدارة الذاتية في شمال شرق البلاد، إلا أن نجاح أي صيغة مستقبلية، برأيه، يتطلب دمجها ضمن عقد وطني جامع يضمن السيادة ووحدة القرار.
السؤال الحاسم
يؤكد الدكتور بساطة أن المسألة ليست في اختيار اللامركزية من عدمه، بل في كيفية تصميمها وتحصينها دستورياً ومؤسساتياً، فاللامركزية قد تكون جسراً نحو دولة حديثة أكثر عدالة ومشاركة، وقد تتحول -إن أُسيئت إدارتها- إلى عبء سياسي جديد.
وطني بامتياز
وكان وزير الإدارة المحلية المهندس محمد عنجراني أصدر قراراً بتفويض عدد من صلاحياته للمحافظين بهدف تعزيز اللامركزية، ويتضمن القرار رقم 13 خمس عشرة مادة، أبرزها التصديق على العقود وتشكيل المكاتب التنفيذية وتوزيع الأعمال على أعضائها والموافقة على حالات البيع والإيجار والاستثمار، كما ينص القرار على تفويض رؤساء مجالس مدن مراكز المحافظات بإصدار القرارات المتعلقة بشؤون العاملين.