الحرية – ميسون شباني:
بينما كان الفنان أحمد مللي يغني لحظة وداعه على مسرح الحياة، كان صوته يتردد في أروقة ذاكرة الفن السوري، كما لو أن الزمن نفسه قد توقف ليصغي إلى آخر كلمات تلك الشخصية التي اختار أن يجسدها.
هو لم يكن مجرد ممثل، بل كان مرآة لحياة كاملة تجسدها عيون المشاهدين الذين أحبوه بكل ما يملكون من مشاعر، وأدركوا أنه كان هناك دائماً بين كواليس الفن وفي محطات الحياة الصغيرة تلك اللحظات التي تتراقص فيها الأرواح.
في زحمة العيش والتقلبات، ظل أحمد مللي ثابتاً كصخرة تتكسر عليها الأمواج العاتية، يقدم أدواراً لا تُنسى، يدير بلطف زمام شخصية تارة تُحلق في فضاءات الحلم، وتارة أخرى تلتصق بأوجاع الواقع، كأنما كان يقدّر أن الفن ليس مجرد تجسيد للصور، بل هو نبض ينبعث من روح الفن ذاته روح متعبة، لكنها لا تزال على قيد الحياة بفضل التفاعل الصادق مع ما تقدمه من مشاعر.
إطلالة مسرحية
التحق الفنان مللي بالمسرح عام 1968 ثم انتقل إلى المسرح الجامعي وشارك بمهرجان الجامعة الأول في 1971 ولعب بأكثر من عمل منها “طوفان الدم”، “وا معتصماه”عام 1971 ولعل أهم أعماله المسرحية كانت مع نجم المسرح عبد اللطيف فتحي هو “تعال نضحك” وكان يؤكد دائماً بأن المسرح بالنسبة له هو كل شيء لأنه أبو الفنون وهو جزء من عمره الفني ويهفو إليه دائماً.
بين الظلم العدالة
(المساعد جميل) في “حكم العدالة” لم يكن مجرد شخصية إذاعية، بل كان شريكاً في بناء عالم من القيم والمبادئ التي تتجسد في صوت يتنقل بين الظلم والعدالة.
كان صوته يعكس الحيرة، ويسلّط الضوء على التوترات الإنسانية التي تقع بين الخير والشر.
كانت قسوة الحياة تنعكس في نبرة صوته، وحنوّ الروح يظهر بوضوح في تحولات شخصيته.
في تلك اللحظات التي كان يتنفس فيها حياة الشخصيات التي يتلّمسها، كل حرف خرج من فمه وقفز بين الأسماع ليُعيد الحياة إلى المتابعة، ولتظل أصداء تلك الأصوات في الذاكرة لأجيال من المستمعين.
انفعالات متناقضة
قدّم لنا مللي شخصية المختار أبو قاسم بأداء عاطفي متقن في مسلسل “زمن البرغوت”، تلمس فيه كل الانفعالات المتناقضة التي عاشها، من الشجاعة إلى الندم، من القسوة إلى الطيبة.
في تلك اللحظات كان يتنقل بين مشاعر الرجل الذي يحمل عبء الذكريات والألم، ليترك في قلوبنا أثراً عميقاً يعكس الإنسانية الكامنة في شخصياته.
في ذلك المشهد الذي حمل كل شيء: الحب، الألم، الشوق والندم، استطاع أن يلتقط أطياف شخصية عميقة تشبه كل واحد منا في لحظة حاسمة.
أنا هنا لأجلكم
أحمد مللي لم يكن ممثلاً عابراً، بل أحد القلائل الذين تميّزوا بالتنوع في أدوارهم، فلم يكن يُعرف بنوع واحد من الأدوار، بل كان يقف شامخاً أمام كل تحدٍ ويُعلن ببساطة: “أنا هنا لأقدم ما أستطيع من أجلكم، من أجل أن تتذكروني، وتظل شخصياتي حيّة في أذهانكم”.
كان أحمد مللي يحمل في قلبه قصة خاصة “المختار”، الذي ظل يتمسك بكل من حوله، حتى وهو يبتعد عن الأضواء.
حياته كانت مليئة بالحب، الشغف بالفن، والتضحية.
سيظل تاريخه الفني سيظل الشاهد الأكبر على تفانيه، فهو الرجل الذي اختار أن يترك لنا إرثاً فنياً يغني الذائقة الثقافية.
رحيل صامت
رحل الفنان أحمد مللي اليوم عن عمر ناهز 80 عاماً بعد تعرضه لأزمة صحية مفاجئة تاركاً خلفه ضوءاً لا يمكن أن يخفت، ومجموعة من الشخصيات التي ستظل حية في وجداننا، ليثري الذاكرة الفنية صوتاً وشخصية، وإبداعاً لا يمكن أن يتكرر.
واليوم، بعد أن غاب جسده، لا يزال صوته يرن في مسامعنا، ويهمس لنا كلما تذكرنا عمق الفن السوري وعراقة تاريخه.