الحرية- لبنى شاكر:
عدةُ حلقاتٍ من مسلسل ما، لا تكفي عادة للحديث عنه كما يجب، لكن الأمر مختلفٌ هذه المرة، فالكلام يتجاوز أداء ممثل أو مَشاهد عنف أو مواضيع مكرورة كنا نتناولها فيما مضى، نحو قضايا حيّة، لها جُناتها، ولها أيضاً أهلها وضحاياها، نقرأ ونسمع عنهم، فنقول إن ما حدث لهم لا يُصدّق، لكن ما يحدث لهم حتى اليوم، حقيقةً لا يُصدّق، وربما يعلم صنّاع الدراما التلفزيونية إن طرح قضية ضحايا “صور قيصر” وما يأتي في سياقها عن المختفين والمغيبين قسراً، كمادة درامية، قبل أن تُحسم قانونياً، أمرٌ خطير، ولا سيما أن عائلات هؤلاء لا تزال تعيش فقداناً مُعلّقاً، وأملاً حزيناً، بمعرفة مصير أبنائهم أو على الأقل إقامة قبور لأجسادهم أو ما تبقى منها.
في الموسم الدرامي الحالي يحكي مسلسل “الخروج إلى البئر” للمخرج محمد لطفي عن معتقلي صيدنايا، ويذهب في أولى حلقاته نحو الاستعصاء الشهير في السجن عام 2008، كذلك يطرح مسلسل “قيصر لا مكان لا زمان” للمخرج صفوان نعمو، قضية الاعتقال والتعذيب. والإشكالية هنا تأتي من فكرة الحدث القائم المستمر، بمعنى أن الملفات التي تُقدّم كمادة درامية، تنتظر العدالة، وتعيش تجاذبات الأمر الواقع واستقطاباته، حتى إنه قبل بدء العرض بيومين فقط عادت قضية عائلة بطلة الشطرنج وطبيبة الأسنان السورية رانيا العباسي، إلى الواجهة بعد نشر شقيقها حسان العباسي مقطع فيديو لفتاة خائفة في مطار بإيطاليا تُحاول العبور إلى أوروبا، ويُعتقد أنّها قد تكون “ديما” ابنة شقيقته المُختفية منذ اعتقال العائلة عام 2013، ولم يُعرَف مكان اعتقالهم أو أية معلومات عنهم حتى اليوم، فكيف ستتعاطى عائلتها وعوائل الآلاف مع مسلسلات تخلق نُسخاً مشوهة من الحقيقة التي يريدونها؟.
الملفات التي تُقدّم كمادة دراميّة تنتظر العدالة وتعيش تجاذبات الأمر الواقع واستقطاباته
المؤلم أيضاً، أن ما نراه من مَشاهد اعتقال وتنكيل وانتهاكات، ستسمح لنا بالبكاء واستحضار اليأس الحاضر أصلاً، تجاه من فقدناهم طيلة أيام الثورة، على الحواجز وفي فروع الأمن ومؤسسات الدولة، وغير هذا الكثير، حتى يُهيئ للبعض بأننا فعلنا شيئاً، لكن في الواقع لا شيء تغير. عدا عن أن كل ما حصل، لا يجب أن يصبح مشهداً مألوفاً درامياً، نعتاد رؤيته كما اعتدنا حكايات الخيانة الزوجية والاتجار بالمخدرات وتضحية الناس بأرواحهم فداء لزعيم عصابة. ولأن هذه المسلسلات غالباً ما تُنتج لتُباع لمنصات عربية، فهي في هذه الحالة تُصدّر الألم السوري لتحقيق نسب مُشاهدة، بينما يبقى المواطن في الداخل هو المادة الخام لهذا الألم دون أن ينعكس ذلك على تحسين واقعه الحقوقي أو المعيشي.
“إن جراحنا التي لا تزال تنزف ليست حبراً لسيناريوهات تجارية، وأنين أبنائنا ليس مادةً للتداول الفني”
دماء ضحايانا ليست مادةً للترفيه
وكانت عائلات ضحايا “صور قيصر” والمغيبين قسراً في سجون النظام السوري، أصدرت بياناً أعلنت فيه رفضها القاطع لتحويل مأساتها إلى مادة درامية تُعرض على الشاشات. مضيفة “إن جراحنا التي لا تزال تنزف ليست حبراً لسيناريوهات تجارية، وأنين أبنائنا ليس مادةً للتداول الفني، نرفض عرض أي عمل يتناول قضية المعتقلين قبل كشف الحقائق كاملة، وتحديد أماكن الدفن، وتسليم الرفات لذويها بكرامة. ونستنكر بشدة قيام ممثلين جاهروا بموالاة الجلاد، أو سخروا من آلامنا وازدروا تضحياتنا، بتجسيد أدوار ضحايانا. إن من صفق للقاتل لا يملك الحق الأخلاقي لتمثيل وجع المقتول”.
وجاء في البيان أيضاً “إن قصص أبنائنا أمانة تاريخية لا تُباع ولا تُشترى في سوق الإنتاج التلفزيوني. إن عرضها في سياق “ترفيهي” تحت إشراف أو رقابة جهات متورطة هو تزييف للوعي وطعنة جديدة في قلوب الأمهات. ولن نسمح باستثمار دماء الشهداء لتبييض الوجوه أو تحقيق الأرباح. العدالة تُطلب في المحاكم، لا في استديوهات التصوير”.