الحرية – مركزان الخليل:
بلبلة واضحة وجدل كبير، وتململ في أوساط قطاع النقل، وخاصة أهل الشحن، إلى جانب الفعاليات التجارية التي ترى فيه ضرراً كبيراً لهم وللأسواق وللاقتصاد الوطني على السواء، حيث أثار قرار هيئة المنافذ البرية والبحرية القاضي بمنع دخول سيارات الشحن العربية إلى داخل الأراضي السورية، والاكتفاء بعمليات المناقلة في ساحات الجمارك الحدودية، نقاشاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية، بين من يراه خطوة سيادية لحماية قطاع النقل الوطني، ومن يحذر من تداعياته على الأسعار وسلاسل التوريد، خاصة مع اقتراب شهر رمضان الذي يشهد ذروة في الطلب الاستهلاكي.
قرار المناقلة يحمل أبعاداً سيادية واقتصادية وتوقيته يفرض تحديات على الأسعار وقطاع النقل..
ترتيب الأولويات
لكن الأقرب الى وصف الموضوع بالدقة المطلوبة هم أهل التجارة والأسواق حيث أكد رجل الأعمال وعضو سابق في غرفة تجارة دمشق، محمد الحلاق أن القرارات الاقتصادية غالباً ما تكون منصفة لجهات معينة، لكنها قد تلحق ضرراً بجهات أخرى، مشيراً إلى أنه من الصعب وجود قرار يرضي جميع الأطراف بشكل كامل.
وأوضح الحلاق أن الإشكالية تكمن في ترتيب الأولويات، متسائلاً: «هل نحدّث أسطولنا أولاً ثم نصدر القرارات المتعلقة به؟ أم نصدر القرار قبل تأمين مستلزمات نجاحه؟».
وهنا لفت إلى وجود إشكالية تتعلق بتأشيرات السائقين، ما يؤدي عملياً إلى اعتماد نظام “باك تو باك” (نقل البضائع من شاحنة إلى أخرى)، وهو ما قد يُفسَّر كمعاملة بالمثل في بعض الدول، لكنه في الوقت نفسه يفرض كلفاً إضافية على سلسلة التوريد.
تشاركية القرار
وأيضاً شدد على أهمية إصدار القرارات بالتشاركية مع أصحاب المصلحة من سائقين، وشركات نقل، ومكاتب تخليص، ومستوردين، وأعضاء غرف التجارة والصناعة والزراعة، باعتبارهم الأقدر على فهم خصوصية كل مادة وتأثير القرار عليها، مؤكداً أنه لا يمكن التعميم على جميع أنواع البضائع، ولا سيما المواد التي قد تتعرض لتلف أو هدر عند المناقلة مثل المواد الكيماوية، والإسمنت، والطحين، والصناعات الزجاجية والبلورية.
ودعا إلى منح فترة سماحية لتطبيق القرار تتراوح بين 15 يوماً إلى شهر، لتمكين المعنيين من ترتيب أوضاعهم، خاصة في ظل هشاشة قطاع النقل.
وبيّن أن عدد الشاحنات العاملة في سوريا يُقدّر بنحو 40 ألف شاحنة، في حين أن أكثر من 35 ألفاً منها متوقفة لأسباب تتعلق بالتقادم أو ارتفاع تكاليف الصيانة والمحروقات، ما أدى إلى نقص في العرض وارتفاع أجور النقل إلى ثلاثة أضعاف بين الأراضي السورية والجمارك اللبنانية، الأمر الذي انعكس مباشرة على التكلفة النهائية للبضائع.
وقال الحلاق: «لا يمكن أن نضر بعشرين مليون مواطن لخدمة ألف أو ألفي سيارة»، مؤكداً أن فهم التوازنات الاقتصادية يتطلب مشاركة فعلية من أهل الاختصاص وممارسي المهن.
الحلاق: لا يوجد قرار يرضي الجميع والمهم ترتيب الأولويات
إضافة حلقات جديدة إلى سلسلة التوريد
من جهته أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور وائل الحسن أن المناقلة على الحدود تعني عملياً إضافة حلقات جديدة إلى سلسلة التوريد تتمثل في التفريغ، وإعادة التحميل، والانتظار، ورسوم إضافية، مبيناً أن كل حلقة إضافية تعني تكلفة أعلى من أجور عمال، وبدلات ساحات، وعمولات وسطاء، وزمن ضائع.
وأكد أن هذه الكلف لا يتحملها الناقل فقط، بل تُرحّل تدريجياً إلى التاجر ثم إلى المستهلك النهائي، ما يرفع الأسعار، خاصة في السلع الغذائية المستوردة.
وبالتالي فإن القرار سيؤدي إلى إطالة زمن وصول البضائع، ولا سيما السلع الحساسة زمنياً كالفواكه والخضار الطازجة وبعض الأدوية، ما قد يسبب تلفاً جزئياً أو انخفاضاً في الجودة، وبالتالي خسائر إضافية.
زيادة في الضغط التشغيلي
وأضاف إن الضغط التشغيلي سيتزايد على الأسطول السوري، في ظل تقادم نسبة كبيرة من الشاحنات وارتفاع تكاليف التشغيل، ما قد يخلق اختناقات لوجستية داخلية ويرفع أجور النقل، فضلاً عن احتمال نشوء بيئة خصبة للاحتكار والسمسرة في ساحات المناقلة.
انعكاسات محتملة على الأسعار في رمضان
وبيّن الحسن أن أي زيادة في تكلفة النقل أو زمنه ستنعكس مباشرة على أسعار السلع، خاصة مع اقتراب شهر رمضان حيث يرتفع الطلب على المواد الأساسية كالسكر والزيت والأرز والطحين، إضافة إلى السلع الرمضانية الخاصة.
وأوضح أن التجار غالباً ما يضيفون الكلف الإضافية إلى السعر النهائي، ما قد يؤدي إلى موجة ارتفاع جديدة في ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، مشيراً إلى أن تعقيد الإجراءات قد يدفع بعض الموردين العرب إلى تقليص صادراتهم إلى السوق السورية، ما يحد من تنوع السلع ويضعف المنافسة.
الحسن: كل حلقة إضافية في النقل تعني تكلفة أعلى واحتمال انعكاسه على أسعار رمضان كبير جداً..!
البعد الإقليمي للقرار
وحول البعد الإقليمي للقرار أشار الحسن إلى أن منع دخول الشاحنات العربية قد يُفسَّر كإجراء أحادي الجانب، ما قد يفتح الباب أمام معاملة بالمثل من بعض الدول عبر تشديد الإجراءات على الشاحنات أو البضائع السورية، الأمر الذي قد يرفع تكلفة الصادرات السورية ويحد من قدرتها التنافسية في الأسواق العربية.