كيف نغير النظرة المجتمعية المجحفة تجاه بعض المهن الأساسية؟

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية– بشرى سمير:

في زحام الحياة اليومية ننسى غالباً الأيدي التي تحافظ على نسيج المدينة وسلامة بيوتنا وكرامة رحيلنا هناك حرفيون ومهنيون يقومون بأعمال هي عصب الحياة المجتمعية ومع ذلك يحملون وطأة نظرة دونية وظلم اجتماعي تُخفِض من قدرهم وتُقلّل من شأنهم رغم أنهم في الحقيقة حرّاس للصحة والسلامة والكرامة الإنسانية ومن هذه المهن التي غالباً ما تظلم اجتماعياً حفار القبور ومغسل الموتى- عامل النظافة- السباك أو عامل الصحية .

حراس الكرامة الأخيرة

في لحظات الفراق الأقسى، يقف حفّار القبور ومغسّل الموتى ليكملا مسيرة الاحترام الأخير للإنسان، هذان الوجهان لمهنة ترتبط بأقدس لحظات الوجود– لحظة الانتقال من الدنيا.
ورغم ذلك، يعاملهم البعض بنوع من التوجس أو النفور، وكأنهم يحملون معهم ظل الموت، لا بركة تكريم الإنسان حتى في رحيله. يتحمّلون أعباءً نفسية وجسدية هائلة، ويعملون في صمت لتأمين مرقد لائق وتجهيز كريم، متجردين من أي نظرة مادية بحتة.

ألا يستحقون الاحترام؟

يقول أبو مصعب “حفار قبور” لـ”الحرية”: إنه عانى من نظرة المجتمع الدونية له على مدار 20 عاماً وكأنه هو عزرائيل حتى أنه لم يتزوج حتى الآن بسبب رفض المجتمع تزويج بناتهم من حفار القبور..
ويضيف: الولادة والموت هما بيد الله وعلى العكس عملي جعلني أقرب إلى الله لمعرفتي أن الحياة فانية ومهما عاش الإنسان وجنى من أموال هو مفارق هذه الحياة.

حارس البيئة الأول

ومن جانب آخر قلّما نتوقف لنشكر الرجل الذي يبدأ يومه قبل الفجر ليجعل شوارعنا نظيفة، ويمنع انتشار الأوبئة، ويحافظ على صورة المدينة يُطلق عليه مصطلح “زبال” أحياناً بنبرة تحقير، رغم أنهم خط الدفاع الأول لحماية صحتنا العامة.
بدونه، ستتحول المدن إلى مكاره صحية في أيام. وهؤلاء العمال هم مهندسو البيئة الحقيقيون، وأعمالهم شريان الحياة الحضري، ومع ذلك يعاملون في كثير من الأحيان بشكل يفتقر إلى أبسط حقوق التقدير والإنصاف.
ويقول خالد: عامل النظافة هو موظف أولاً وأخيراً ويقوم بواجبه مثله مثل أي موظف آخر في موقع آخر ولو غاب عمال النظافة ليوم واحد لتحولت الشوارع إلى مكبات للقمامة ومع ذلك هناك من ينظر نظرة دونية للعمال النظافة بدلاً من الشكر والامتنان .

طبيب المنازل الخفي

وعن مهنة السباكة يقول معتز إن السباك أو عامل الصحية لا يصلح أنابيب فحسب، بل يحمي المنازل من الكوارث، ويضمن وصول الماء النظيف وطرد المياه العادمة بأمان وعمله يجنب العائلات أمراضاً ومشكلات لا حصر لها.
لكن مهنته غالباً ما تُوصف بأنها “مهنة بسيطة” أو “خشنة”، رغم أنها تحتاج إلى دقة فنية عالية ومعرفة بالأنظمة الصحية والهندسية. وفي النهاية حارس السلامة المنزلية الذي نلجأ إليه في الأزمات، ثم نتناسى فضله بسرعة.

نظرة مجحفة

الخبيرة الاجتماعية والنفسية الدكتور حنان الصالح بينت لـ”الحرية”، أن النظرة الدونية لهذه المهن تعود إلى موروثات اجتماعية تربط المكانة بنوع العمل ومظهره، وإلى فصل خاطئ بين العمل “الذهني” والعمل “اليدوي” رغم أن الجميع يخدم حلقة واحدة متكاملة.
كما يساهم ضعف الوعي بأهمية هذه المهن الحيوية، ونقص التقدير المؤسسي أحياناً، في استمرار هذه الصورة النمطية.
ولفتت إلى أنه لتغيير هذه الصورة يجب التركيز على التربية وغرس قيمة كل مهنة في مناهج التربية وتقديمها كنماذج للإخلاص والمسؤولية المجتمعية والتعامل مع هؤلاء المهنيين بلغة التقدير والابتسامة، وضمان حقوقهم العملية والمالية بشكل لائق وأشارت الى أهمية الإعلام الإيجابي ودوره في تسليط الضوء على بطولاتهم اليومية وإسهامهم غير المرئي في استقرار حياتنا مع تأكيد التقدير المجتمعي من خلال تحسين ظروف عملهم، وتوفير الحماية الاجتماعية، وإشراكهم في الحوارات المجتمعية.
وأضافت الصالح: هذه المهن ليست “دونية”، بل هي إحدى روافع المجتمع الأساسية. حين ننظر إلى حفار القبور، فلنرَ فيه تكريم البشر في لحظة الوداع، وحين نرى عامل النظافة، فلنذكر أنه يحمل عنّا أوساخنا ليحافظ على صحتنا، وأن السباك هو حارس صحتنا المنزلية.

كرم الإنسانية يتجلى في احترام من يخدموننا في صمت، لأن المجتمع القوي هو الذي يقف على أكتاف جميع أبنائه، بلا تمييز.

Leave a Comment
آخر الأخبار