الموجة الثالثة في الإعلام العربي.. معضلة الحرية في عصر الفوضى الرقمية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- حسين الإبراهيم:

  • هل تخلّص الإعلام العربي من سيطرة الحكومات ليقع في أسر خوارزميات “فيسبوك” و”تويتر”؟
  • ماذا لو كانت “الحرية” التي تباهينا بها على وسائل التواصل هي مجرد وهم، في حين تتحكم أنظمتنا القديمة فيها الآن بأدوات جديدة؟
  • لماذا يمتلك المواطن العربي اليوم منصة عالمية، في وقت فقد فيه ثقته في كل ما يقرأ؟

هل يعيش الإعلام العربي لحظة تحرر تاريخي بفضل الثورة الرقمية، أم إنه يغرق في فوضى معرفية جعلته رهينة لقوى خارج سيطرته؟.. هذا السؤال يضعنا في صلب التحول الجيلي الذي تنبأ به “آلفين توفلر” في كتابه “الموجة الثالثة”، حيث تنتقل السلطة من الأنظمة المركزية الصناعية (الموجة الثانية) إلى شبكات المعرفة اللامركزية (الموجة الثالثة).

في الوطن العربي، تظهر هذه الانتقالة بمفارقة صارخة: حرية اتصال غير مسبوقة يقابلها استعمار رقمي جديد، وصوت الجماهير يعلو وسط ضجيج لا ينتهي من التضليل والأخبار الزائفة.

الإطار المفاهيمي للتحول

قسّم توفلر التاريخ الإنساني إلى ثلاث موجات: زراعية اعتمدت على الأرض، وصناعية ارتكزت على الآلة والإنتاج الضخم، وثالثة قوامها المعرفة والمعلومات. كان الإعلام في كل مرحلة مرآةً لها. ففي الموجة الصناعية، كان الإعلام أحادي الاتجاه، هرمي البنية، يخدم أهداف الدول أو التكتلات الكبرى. أما في الموجة الثالثة، فالإعلام تحول إلى شبكة تفاعلية، حيث يتحول المتلقي إلى ناشر، وتذوب الحدود بين المحترف والهاوي.

السؤال المحوري: أين يقف الإعلام العربي في هذه الخريطة المتحولة؟

بين حرية الوصول وفقدان السيادة

منحت تقنيات الموجة الثالثة – الإنترنت، وسائل التواصل، المنصات الرقمية – صوتاً لملايين العرب الذين كانوا مستبعدين من المشهد الإعلامي التقليدي. وسقطت احتكارات الإعلام الحكومي والخاص تحت وطأة فيسبوك، تويتر، ويوتيوب. لكن هذه الحرية جاءت بكلفة باهظة.

فوضى المعرفة

أصبح الفضاء الرقمي ساحة معركة لتزييف الوعي، حيث تنتشر الأخبار الزائفة، ونظريات المؤامرة، وخطابات الكراهية بسرعة تفوق قدرة أي جهة على التصدي لها.

التبعية الرقمية

المنصات التي منحتنا “الحرية” هي شركات عالمية تخضع لرؤى سياسية واقتصادية وأجندات لا تمت بالضرورة لمصالح المجتمعات العربية. لقد تحولت بياناتنا وسلوكنا إلى سلعة، وتحولت خوارزمياتها إلى محررين رئيسيين يقررون ما نراه وما نغفل عنه.

الصراع داخل المؤسسة

يعيش الإعلام العربي تناقضاً داخلياً. فبينما تتبنى بعض المؤسسات التقليدية شكليات الموجة الثالثة (حسابات على تويتر، بث مباشر)، تظل عقلية التحرير والخطاب مرتبطة بالمركزية والهرمية البيروقراطية للموجة الثانية. وفي المقابل، يفتقر الكثير من المحتوى الرقمي البديل إلى المهنية والتمويل المستدام، ما يجعله إما صوتاً هشاً أو أداة للصراعات السياسية والمالية.

مَن الرابح الحقيقي: الصحفي الذي حررته المنصات الرقمية، أم شركات التكنولوجيا التي حوّلت أخبارنا إلى سلعة واهتماماتنا إلى عملة؟

من يملك السلطة؟ 

أدى هذا التحول إلى إعادة توزيع غريبة للسلطة. فالحكومات، التي فقدت السيطرة على تدفق المعلومات، تلجأ إلى أدوات الموجة الثالثة نفسها لاستعادة السيطرة: قوانين الجرائم الإلكترونية، ومراقبة المنصات، وحتى استخدام وحدات إلكترونية للتأثير على الرأي العام. وفي الطرف المقابل، تقف شركات التكنولوجيا العملاقة كقوى فوق وطنية، تملك سلطة حجب المحتوى أو تعزيزه دون رقابة شفافة.

أصبح الإعلام العربي محاصراً بين مطرقة الرقابة المحلية وسندان الهيمنة العالمية، في حين يتيه الجمهور في فضاء من المعلومات المتنافرة.

نحو استراتيجية للتحرر الرقمي

إذا كان الإعلام العربي يرغب في أن يكون فاعلاً وليس منفعلاً، وأن يستعيد سيادته في عصر الموجة الثالثة، فإنه بحاجة إلى استراتيجية واعية تقوم على ثلاثة أركان:

التكيف العميق:

على المؤسسات الإعلامية التقليدية أن تخضع لعملية تحول جذري، ليس في الأدوات فحسب، بل في العقلية والهيكل والعلاقة مع الجمهور، لتصبح منصات تفاعلية قائمة على الحوار وإنتاج المعنى المشترك.

الاستثمار في السيادة الرقمية:

دعم وتمويل المبادرات الإعلامية العربية المستقلة التي تقدم محتوى مهنياً وجاذباً، والبحث الجدي عن نماذج تمويل مستدامة لا تهدد الاستقلال. كما أن التفكير في تطوير منصات وتقنيات محلية أو إقليمية هو مسار استراتيجي طويل الأمد.

بناء المناعة المجتمعية:

عبر تعزيز التربية الإعلامية والنقدية، لتمكين المواطن من أن يصبح متلقياً نشطاً، قادراً على فرز المعلومات وتحليلها ومقاومة التضليل.

الموجة الثالثة ليست خياراً، بل هي واقع. والسؤال الحقيقي ليس هل نحن رهائنها، بل كيف نتحول من رعايا في إمبراطوريات الرقمية العالمية إلى مواطنين فاعلين في فضاء إعلامي حر، ناضج، ومسؤول؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مصير الفضاء العام العربي لعقود قادمة.

"هل الحرية التي منحناها لأنفسنا عبر الشاشات مجرد واجهة جديدة لآليات التحكم القديمة نفسها؟"
Leave a Comment
آخر الأخبار