الهوية الرقمية والذكاء الاصطناعي حجر الأساس للدولة الذكية والاقتصاد المعرفي في سوريا

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- نهلة ابوتك:

على مدى عام وأكثر ارتبط الحديث عن إعادة إعمار سوريا بالمباني والجسور والطرق، لكن التجارب العالمية أثبتت أن الدول التي استطاعت النهوض بعد الأزمات لم تركز على الحجر وحده، بل على إعادة هندسة الدولة نفسها لتواكب اقتصاد القرن الحادي والعشرين.

اليوم، تواجه سوريا تحدياً أكبر كيف تبني دولة رقمية متكاملة قبل أن تعيد بناء المدن؟ فالهوية الرقمية الوطنية والتحول الرقمي ليسا رفاهية، بل حجر الأساس للحكومة الذكية، وللاقتصاد المعرفي، ولإعادة دمج البلاد في الاقتصاد العالمي.

وفي هذا الإطار، يؤكد خبير الذكاء الاصطناعي وأمين عام الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي، الدكتور محمد عمار دلول، أن “الهوية الرقمية عند دمجها بالذكاء الاصطناعي تمثل العمود الفقري للدولة الذكية، وتسمح بإدارة البيانات وتحويلها إلى معرفة استراتيجية تدعم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتحمي حقوق المواطنين، وتقلل فرص الفساد”.

دلول: من إعادة الإعمار إلى إعادة الهندسة

يقول دلول لـ”الحرية”: «إعادة الإعمار وحدها لا تكفي، فالدول التي نجحت في التحول السريع -مثل إستونيا وسنغافورة والإمارات- لم تبدأ ببناء المباني فحسب، بل أعادت تصميم طريقة عمل الدولة نفسها، عبر بناء هوية رقمية وطنية، ورقمنة الخدمات الحكومية، وتطوير اقتصاد قائم على المعرفة، إضافة إلى جذب شركات التكنولوجيا العالمية، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية».

ويضيف دلول: «هذا ما أسميه هندسة الدولة الحديثة، حيث يقاس مستقبل الدولة بقدرتها على إدارة البيانات وتحويلها إلى سياسات عملية وفعّالة».

البنية الرقمية.. العمود الفقري للدولة الحديثة

يشير دلول إلى أن البنية الرقمية لم تعد رفاهية، بل ركيزة أساسية للدولة الحديثة، تشمل الهوية الرقمية الوطنية للوصول إلى الخدمات عبر منصة موحدة، واقتصاد البيانات الذي يحوّل المعلومات إلى مورد استراتيجي، والحكومة الذكية القائمة على الأتمتة والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني والسيادة الرقمية لضمان الاستقلال التكنولوجي .

“هذه العناصر -كما يوضح دلول- تشكل الهيكل الرقمي للدولة، وتمكّنها من اتخاذ قرارات استراتيجية دقيقة، وتحسين التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز كفاءة الخدمات العامة” .

الذكاء الاصطناعي كأداة لإدارة الدولة

ويؤكد دلول أن «الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية مستقبلية، بل أداة حيوية لإدارة الدولة. يمكن استخدامه في مجالات متعددة منها تحليل البيانات الاقتصادية والتخطيط العمراني وإدارة النقل والطاقة إضافة إلى مكافحة الفساد وتحسين الخدمات العامة”.

ويضيف: «عند دمجه مع البنية الرقمية، تتحول الحكومة من منظومة بيروقراطية تقليدية إلى حكومة ذكية لصناعة القرار، قادرة على توقع المشاكل وحلها قبل وقوعها».

الاقتصاد الرقمي.. فرصة سوريا الكبرى

كما يشير دلول إلى أن «الاقتصاد الرقمي يشكل نحو 15% من الناتج المحلي العالمي، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية».

وسوريا لديها فرصة تاريخية لإعادة دمج نفسها في الاقتصاد العالمي عبر: دعم الشركات التكنولوجية الناشئة وتطوير الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية، وإنشاء منصات خدمات ذكية، والاستثمار في الصناعات المعرفية والابتكار التكنولوجي.

الدكتور دلول يضيف إن هذا التحول قادر على خلق فرص واسعة للشباب، وتعزيز مكانة سوريا في الاقتصاد المعرفي الإقليمي والدولي .

من إعادة إعمار المدن إلى بناء المدن الذكية

يشدد دلول على أن «الهدف لا يجب أن يكون مجرد إعادة بناء ما دُمّر، بل إعادة تصميم المدن لتصبح ذكية، تعتمد على: النقل الكهربائي الذكي، شبكات الطاقة المتجددة، إدارة المرور بالذكاء الاصطناعي، الخدمات الرقمية المتكاملة»

فالمدن الذكية -كما يوضح- ليست رفاهية، بل ضرورة لتقديم خدمات عامة بكفاءة واستدامة، وتقليل الهدر، وزيادة الإنتاجية.

سوريا كجسر تكنولوجي في المنطقة

ويتابع دلول: «سوريا تمتلك موقعاً استراتيجياً يمكن أن يجعلها جسراً بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. مع الاستثمار الصحيح في البنية الرقمية، يمكن أن تصبح مركزاً إقليمياً للخدمات التكنولوجية والابتكار، ووجهة للشركات العالمية».

يختم دلول: «إعادة إعمار سوريا ليست مجرد مشروع عمراني، بل مشروع حضاري لإعادة هندسة الدولة الحديثة، الدول التي تفكر في المستقبل لا تبني المدن فقط، بل تبني المنظومات التي تدير تلك المدن بذكاء وكفاءة».

السؤال الحقيقي لمستقبل سوريا ليس كيف سنعيد بناء ما دُمّر؟ بل كيف سنبني دولة رقمية قادرة على المنافسة في عالم يقوده الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي؟

Leave a Comment
آخر الأخبار