انفراجة كبرى.. استثمارات بمليارات الدولارات تُضيء مستقبل الطاقة في سوريا

مدة القراءة 8 دقيقة/دقائق

الحرية- يسرى المصري:

بعد سنوات من الظلام، تعلن الحكومة أن عام 2025 كان منعطفاً تاريخياً، شهد ولادة جديدة لقطاع الطاقة السوري. هذه ليست مجرد أرقام وتصريحات، بل فجر اقتصادي يلوح في الأفق السوري.
الطاقة ليست مجرد كهرباء تشغل المصابيح، ولا وقوداً يحرك السيارات. الطاقة هي شريان الحياة للاقتصاد ودقات قلب المجتمع الحديث.
طالما كانت أزمة الطاقة في سوريا تشكل تحدياً وجودياً يعوق إعادة الإعمار ويؤثر على حياة الملايين. اليوم، يبدو أن المعادلة بدأت تتغير.
ما تحقق خلال عام 2025 هو قصّة ملهمة لإرادة وطنية تتحدى الصعاب ترتكز أعمدتها على نهاية أزمة المحروقات التي طالما شكلت هاجساً يومياً للمواطنين وتتضمن تخفيض الأسعار بنسبة 21% الذي يخفف العبء عن كاهل الأسر والشركات
أضف الى ذلك زيادة التغذية الكهربائية حوالي 8 ساعات يومياً بعد سنوات من الانقطاع الطويل كما تمت مضاعفة التوليد إلى 2500 ميغاواط واستعادة الكهرباء لمئات القرى.من جهة أخرى جرى توقيع اتفاقيات استثمارية ضخمة لتوليد 8700 ميغاواط إضافي.

صفقات الكهرباء والنفط والغاز مع دول إقليمية تحول أزمة الطاقة السورية إلى فرصة لإعادة الاعمار

عقود الاستثمار في قطاع الطاقة السوري خلال العام 2025
يمثل عام 2025، وفقاً لتوصيف وزير الطاقة السوري محمد البشير، منعطفاً تاريخياً ونقطة تحول حقيقية لقطاع الطاقة في سوريا. شهد هذا العام حركة استثمارية واسعة من خلال توقيع حزمة من العقود والاتفاقيات الدولية والإقليمية، ركزت على إعادة تأهيل البنية التحتية ومعالجة الاختناقات الهيكلية في منظومة الطاقة. جاءت هذه العقود في ظل جهود رسمية لإنهاء أزمة المحروقات المزمنة وتحسين واقع الكهرباء للمواطنين. أبرزها عقود توليد الكهرباء حيث تم ضخ استثمارات عملاقة لتجاوز الأزمة وشهد هذا القطاع توقيع أضخم الصفقات خلال العام، مع تحول واضح نحو تنويع مصادر التوليد بين الغاز والطاقة المتجددة.
فجرى توقيع عقد توليد بقيمة 7 مليارات دولار مع تحالف دولي، ويُعد هذا العقد الأكبر في تاريخ سوريا للكهرباء. وقعه تحالف تقوده مجموعة و”أورباكون” القطرية ويضم شركات أميركية وتركية. تهدف الصفقة لاستثمار 7 مليارات دولار لإنشاء محطات كهرباء بقدرة إجمالية تصل إلى 5,000 ميغاواط. تشمل الخطة إنشاء 4 محطات تعمل بالغاز بتقنية عالية الكفاءة في مواقع متفرقة (دير الزور، محردة، زيزون، تريفاوي)، بالإضافة إلى إنشاء محطة طاقة شمسية كبرى بقدرة 1,000 ميغاواط في جنوب سوريا. من المتوقع أن يوفر هذا المشروع الضخم حوالي 50 ألف فرصة عمل مباشرة وقرابة 250 ألف فرصة غير مباشرة.
إضافة إلى عقود بقدرة 3,700 ميغاواط بالإضافة إلى العقد الرئيسي، حيث أفاد وزير الطاقة بتوقيع عقود أخرى لإنشاء محطات توليد غازية ومتجددة، ما يرفع إجمالي القدرات التعاقدية الجديدة خلال 2025 إلى 8,700 ميغاواط. تشمل هذه العقود محطات تعمل بالغاز بقدرة 4,000 ميغاواط، ومشاريع للطاقة الشمسية والرياح بقدرة إجمالية تصل إلى 4,700 ميغاواط. كما شملت الاتفاقيات التعاون مع شركات سعودية وأمريكية متخصصة لتطوير محطات شمسية بأنظمة تخزين.
فيما يتعلق بعقود النفط والغاز وقعت اتفاقيات شراكات إقليمية لتعزيز الإنتاج والأمن الطاقي وسجل هذا القطاع تحركات مهمة لجذب الخبرة ورأس المال لتنمية الثروة الوطنية.

سوريا تشعل محرّكها من جديد..تحليل شامل لعقود الطاقة الجديدة ودورها في دفع عجلة التعافي الاقتصادي والاجتماعي

اتفاقيات مع شركات سعودية (تشرين الثاني 2025) وقعت الشركة السورية للنفط في 9 تشرين الثاني 2025 أربعة عقود خدمات متخصصة مع تحالف من الشركات السعودية، تضم “طاقة”، “أركاس”، “الحفر العربية”، و”أديس القابضة”. تركز الاتفاقيات على تطوير حقول النفط والغاز القائمة، وإجراء المسوحات الجيولوجية، وخدمات الحفر والصيانة المتقدمة، ونقل المعرفة. وأوضحت الشركة السورية أن هذه العقود خدمات مدفوعة الأجر وليست اتفاقيات شراكة أو تقاسم إنتاج، ما يحفظ ملكية الدولة للثروات. من المتوقع أن تؤدي هذه العقود إلى زيادة إنتاج النفط والغاز بنسبة 25% بحلول منتصف 2026، وصولاً إلى 50% بنهاية العام نفسه.
اتفاقية إمدادات الغاز مع أذربيجان حيث دخلت اتفاقية توريد الغاز مع أذربيجان حيز التنفيذ في 2 أب 2025، حيث بدأ ضخ الغاز عبر الأراضي التركية. بموجب الاتفاق، تحصل سوريا على حوالي 1.2 مليار قدم مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي، في صفقة تحملت قطر تكلفتها، بهدف دعم قطاع الكهرباء.

مذكرات تفاهم مع مصر كانون الثاني 2026 في إشارة إلى استمرار زخم التعاون في مطلع العام الجديد، وقعت سوريا ومصر مذكرتي تفاهم في 5 كانون الثاني 2026، تهدف الأولى إلى تعزيز التعاون في مجال توريد الغاز الطبيعي، والثانية للتعاون في تأمين المشتقات النفطية.
عقود الربط الكهربائي والبنية التحتية وتهدف لتعزيز الاستقرار والإمداد وقد توجهت الاستثمارات أيضاً نحو ربط الشبكة السورية بمحيطها الإقليمي وتحسين كفاءة التوزيع.
صفقة الربط الكهربائي مع تركيا وجاءت في المرتبة الثانية ضمن صفقات الكهرباء الكبرى لعام 2025. تهدف إلى استكمال خط ربط كهربائي بقوة 400 كيلو فولط بين البلدين، ومن المتوقع أن يزود سوريا بحوالي 1,000 ميغاواط من الكهرباء ، ما يدعم استقرار الشبكة الوطنية ويقلل ساعات التقنين.
مشاريع صيانة وتأهيل شاملة حيث نفذت وزارة الطاقة خلال العام 120 مشروعاً في الصيانة والتأهيل وحفر الآبار، شملت حفر 74 بئراً جديدة وتأهيل 420 بئراً، وتشغيل 188 منظومة طاقة شمسية لتغذية الآبار الزراعية.

الأثر الاقتصادي والاجتماعي المتوقع

تبشر هذه الحزمة الاستثمارية بتأثيرات إيجابية متعددة كتحسين الخدمات للمواطن فقد بدأت ثمار بعض هذه الجهود تظهر بالفعل، حيث أفادت البيانات الرسمية بـ رفع ساعات التغذية الكهربائية إلى أكثر من 8 ساعات يومياً (بعد أن كانت لا تتجاوز ساعتين)، وخفض أسعار المشتقات النفطية بنسبة 21%، وإعادة التيار لمئات القرى.
خلق فرص عمل واسعة وتشير التقديرات إلى أن مشاريع الطاقة الكبرى وحدها قد توفر مئات الآلاف من الفرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ما يسهم في خفض معدلات البطالة.
دفع عجلة النمو الاقتصاد و يُتوقع أن يؤدي استقرار إمدادات الطاقة وزيادة الإنتاج إلى تحفيز القطاعات الإنتاجية والصناعية، وهو ما بدأ ينعكس إيجاباً على الاقتصاد المحلي، وتعزيز الأمن الطاقي، و يساهم تنويع مصادر التوليد (غاز، شمس، رياح) والربط مع الجوار في تقليل الاعتماد على مصدر وقود واحد وزيادة مرونة المنظومة.
نجحت سوريا في عام 2025 في جذب استثمارات دولية وإقليمية غير مسبوقة إلى قطاع الطاقة، بلغت قيمتها الإجمالية مليارات الدولارات، وتركزت بشكل رئيسي من دول الخليج مثل قطر والسعودية والإمارات، بالإضافة إلى شركاء أوروبيين وأمريكيين. تُمثل هذه العقود ركيزة أساسية لخطة إعادة الإعمار، وترسم معالم مرحلة جديدة تعتمد على الانفتاح الاقتصادي وشراكات دولية متنوعة.

ومن اللافت كانت عودة الفوسفات السوري للسوق العالمي وهي ليست مجرد إنجاز اقتصادي، بل هي رسالة واضحة بأن سوريا تعود تدريجياً إلى مكانتها الاقتصادية. هذه العودة ستحقق إيرادات مهمة لدعم الاقتصاد الوطني وتمويل مشاريع إعادة الإعمار.

بالطبع لا تقتصر الرؤية على معالجة الآثار فحسب، بل تشمل تأهيل البنية التحتية، وإعادة تشغيل الحقول والآبار المتوقفة، وتوسيع أعمال الاستكشاف والتطوير. هذه النظرة الشاملة هي ما يميز خطة الطاقة السورية، حيث لا تركز على الحلول المؤقتة بل على الأسس المتينة لقطاع مستدام.

ومجمل القول إن مشاريع المحطات الغازية والمتجددة باستطاعة 8700 ميغاواط تمثل استثماراً استراتيجياً في مستقبل الطاقة السورية. هذا التوجه نحو الطاقة المتجددة يضع سوريا على خريطة التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، ويؤسس لقطاع طاقة أكثر استدامة ومرونة.
وفي الواقع إن الطاقة التي تعود اليوم إلى المدن والقرى ليست فقط كهرباء، بل هي نور الأمل الذي يضيء طريق إعادة الإعمار والتنمية.
عام 2025 كان بداية، والطريق لا يزال طويلاً، لكن الاتجاه واضح فسورية تشرق من جديد، والطاقة هي شعلة هذه الصحوة.

Leave a Comment
آخر الأخبار