الحرية – نهلة أبو تك:
في أوقات الاضطراب الاقتصادي، لا يكون التحدي الحقيقي في حجم رأس المال بقدر ما يكون في كيفية إدارته.
الشركات التي تكتفي بتكديس السيولة خوفاً من المجهول قد تكتشف لاحقاً أنها خسرت جزءاً من قيمتها قبل أن تبدأ الاستثمار، بينما الشركات التي تحول أموالها إلى أصول إنتاجية غالباً ما تكون أكثر قدرة على الصمود أمام تقلبات الأسواق.
في عام 2026، تعمل الشركات السورية الناشئة ضمن بيئة اقتصادية عالمية شديدة الحساسية، حيث تتداخل التوترات الجيوسياسية مع تحركات الأسواق المالية وارتفاع أسعار الذهب التي تجاوزت 5400 دولار للأونصة، إلى جانب تغيرات مستمرة في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
في المقابل، يظهر قدر من الاستقرار النسبي في سعر الصرف المحلي، ما يمنح الشركات هامش تخطيط محدوداً لكنه مهم.
في قراءة خاصة لـ«الحرية»، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد المعين مفتاح أن المرحلة الحالية «ليست أزمة عابرة بقدر ما هي مرحلة إعادة تموضع اقتصادي عالمي»، موضحاً في تصريح لـ”الحرية” أن الشركات التي تدير أصولها بمرونة وتعيد ترتيب أولوياتها الإنتاجية ستكون الأقدر على البقاء في السوق.
جبهات جديدة
لم تعد التوترات الاقتصادية تقتصر على الأسواق المالية، بل أصبحت تمتد إلى ملفات أكثر حساسية مثل سلاسل الإمداد وأسعار المواد الأولية وسياسات التجارة الدولية. هذه المتغيرات تفرض ضغوطاً مباشرة على الشركات الصغيرة التي تعتمد في جزء من إنتاجها على واردات خارجية.
ويشير مفتاح إلى أن الاعتماد الكامل على الأسواق الخارجية يجعل الشركات أكثر عرضة للصدمات المفاجئة، لذلك تصبح إدارة المخاطر جزءاً أساسياً من استراتيجية أي شركة تسعى إلى الاستمرار في العمل ضمن اقتصاد متقلب.
لا تكدس المال.. استثمره
في بيئة تضخمية متغيرة، لم يعد الاحتفاظ بالسيولة النقدية الخيار الأكثر أماناً. يوضح مفتاح أن جزءاً من الفوائض المالية ينبغي أن يتحول إلى أصول إنتاجية داخل الشركة، مثل شراء مواد أولية استراتيجية أو تعزيز المخزون الإنتاجي أو الاستثمار في معدات تقلل الاعتماد على الواردات.
الفكرة الأساسية، كما يراها مفتاح، تقوم على تحويل الأموال من أرقام جامدة إلى أدوات إنتاجية تعزز قدرة الشركة على مواجهة الأزمات المفاجئة في الأسواق.
التسعير المرن.. حماية الأرباح
التقلبات المتكررة في أسعار الوقود والنقل والتأمين تفرض على الشركات إعادة النظر في سياسات التسعير التقليدية. الشركات التي تعتمد أسعاراً ثابتة لفترات طويلة قد تجد نفسها أمام تآكل تدريجي في هوامش الربح.
ويرى مفتاح أن الحل يكمن في اعتماد تسعير مرن يعتمد على مراقبة التكاليف بشكل دوري وربط الأسعار بالمدخلات الفعلية للإنتاج، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قدرة السوق المحلية على استيعاب هذه التغيرات.
الطاقة.. مفتاح الاستمرارية
ملف الطاقة عاد ليصبح أحد أهم عناصر المنافسة الاقتصادية. أي اضطراب في إمدادات الوقود يمكن أن يؤدي إلى توقف الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل بشكل كبير.
ويشير مفتاح إلى أن بعض الشركات بدأت بالفعل التفكير في حلول جزئية مثل الاعتماد على الطاقة الشمسية أو أنظمة التشغيل الأكثر كفاءة، وهي خطوات قد تبدو صغيرة لكنها تمنح الشركات استقراراً أكبر في الإنتاج وتقلل اعتمادها على مصادر الطاقة التقليدية.
الموظفون.. خط الدفاع الأول
مع ارتفاع تكاليف المعيشة، أصبحت الكفاءات البشرية أكثر حساسية تجاه الاستقرار الوظيفي. الشركات التي تحافظ على فرقها وتربط الحوافز بالإنتاجية الفعلية تجد أن موظفيها يتحولون إلى عنصر قوة يساعد على تجاوز الأزمات.
ويؤكد مفتاح أن الشركات الصغيرة والناشئة تعتمد أساساً على فرق عمل مرنة، لذلك فإن الحفاظ على رأس المال البشري يشكل أحد أهم عناصر الاستقرار الداخلي.
التحالفات بدل العزلة
التحولات الاقتصادية العالمية أعادت أيضاً تعريف مفهوم المنافسة. فبدلاً من العمل بشكل منفرد، بدأت بعض الشركات بالاتجاه نحو شراكات وتكتلات اقتصادية تساعد على تقاسم التكاليف وفتح أسواق جديدة.
هذه التحالفات قد تشمل مجالات النقل أو التخزين أو التسويق المشترك، وهي أدوات تساعد الشركات الصغيرة على توزيع المخاطر وتعزيز قدرتها على مواجهة التقلبات الاقتصادية.
من الأزمة إلى الفرصة
ورغم الضغوط الاقتصادية، يرى مفتاح أن المرحلة الحالية قد تحمل فرصاً للشركات القادرة على قراءة التحولات العالمية بسرعة. فالشركات الصغيرة المرنة غالباً ما تستطيع التكيف مع التغيرات بشكل أسرع من المؤسسات الكبيرة التي تقيدها البيروقراطية.
ويخلص مفتاح إلى أن الاختبار الحقيقي اليوم لا يتعلق بحجم رأس المال بقدر ما يتعلق بقدرة الإدارة على حماية دورة الإنتاج وضبط التكاليف والحفاظ على الكفاءات البشرية. وفي اقتصاد سريع التحول، قد يكون الفارق بين النجاح والتراجع مجرد قرار استثماري يتخذ في الوقت المناسب.