بقلم ـ يسرى المصري:
خرائط جديدة في قصر الشعب.. فأوروبا تعود إلى سوريا ودبلوماسية أوروبية ترسم طريق التعافي السوري.
لقد اختارت فون دير لاين كلمات موحية لتلخيص اللحظة التاريخية “بعد عقود من الخوف والصمت، بدأ السوريون رحلة طويلة نحو الأمل والتجديد”.. هذه الكلمات تعترف بالماضي القاسي الذي عاشه الشعب السوري تحت حكم النظام السابق، الذي انتهى في أواخر ٢٠٢٤، بينما تشير بوضوح إلى تحول جذري في سردية العلاقات الأوروبية السورية.
هذا التحول لم يأت من فراغ، فقد سبقه رفع الاتحاد الأوروبي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا في أيار ٢٠٢٥ بعد أن كانت سارية منذ عام ٢٠١١.
من جانبه، أشار الرئيس أنطونيو كوستا إلى أن سوريا “قطعت الخطوات الأولى” في الطريق الطويل نحو إعادة البناء، معرباً عن استعداد الاتحاد الأوروبي لفتح صفحة جديدة من خلال شراكة متجددة وحوار سياسي.
لقاء تاريخي، في مشهدٍ رمزي قوي، التقى فيه الرئيس أحمد الشرع برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا.
اختلطت رائحة الحجارة القديمة في قصر الشعب في دمشق برائحة سياسة جديدة تنبعث من هذه الزيارة، الأولى من نوعها لمستوى قيادي أوروبي مماثل منذ سقوط النظام البائد في كانون الأول ٢٠٢٤، الزيارة ليست مجرد حدث بروتوكولي عابر، بل علامة فارقة في مسار تحول سوريا، وتحول استراتيجي عميق في موقف أوروبا تجاهها.
وُصف اللقاء بأنه بداية “فصل جديد” في العلاقات بين دمشق والاتحاد الأوروبي، يقوم على ثلاثة أركان رئيسية: شراكة سياسية جديدة، وتعاون اقتصادي وتجاري معزز، وحزمة دعم مالي ضخمة بقيمة ٦٢٠ مليون يورو لعامي ٢٠٢٦ و٢٠٢٧.
أضف إلى ذلك ركائز جديدة تتضمن الشراكة السياسية الجديدة لدعم انتقال سلمي وشامل والمصالحة في سوريا. إلى جانب حوار سياسي رفيع المستوى مطلع ٢٠٢٦، مع دعم المصالحة وإصلاح القطاع الأمني.
ويتضمن المحور الثاني للشراكة السورية- الأوروبية تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري عبر دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والعالمي. وإحياء اتفاق التعاون القديم، ودعوة البنك الأوروبي للاستثمار للعودة، إلى جانب إشراك سوريا في ميثاق من أجل المتوسط.
أما المحور الثالث فيتضمن حزمة الدعم المالي (٦٢٠ مليون يورو) لدعم التعافي الاجتماعي والاقتصادي المبكر. والمساعدات الإنسانية، ودعم إعادة الإعمار، وتعاون ثنائي لتعزيز المؤسسات والقطاع الخاص.
من القضايا الجوهرية التي تمت مناقشتها الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وهو هدف أكد عليه الجانبان في بيان اللقاء.
يأتي هذا التأكيد في وقت تشهد فيه مدينة حلب شمالي سوريا اشتباكات بين الجيش السوري ومقاتلين من تنظيم قسد، وهو ما وصفته فون دير لاين بأنه “مثير للقلق” وشددت على الحاجة الملحة لاستمرار الحوار بين جميع الأطراف.
كما لعب الرد الأوروبي على الملف الإنساني، خاصة قضية اللاجئين السوريين في أوروبا، دوراً مهماً في المحادثات.
وأعلن الاتحاد الأوروبي عن عمله مع شركاء إقليميين مثل تركيا والأردن ولبنان، بالإضافة إلى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، لدعم عمليات العودة الآمنة والكريمة والطوعية للنازحين السوريين.
يمثل تعزيز التعاون الاقتصادي محوراً حيوياً في الرؤية الجديدة، حيث يسعى الاتحاد الأوروبي إلى دعم التنمية المستدامة في سوريا من خلال الشراكات الاقتصادية وخلق فرص العمل.
ويرتبط هذا التوجه بالوعد السابق للاتحاد الأوروبي بتقديم مساعدات بقيمة ٢.٥ مليار يورو لسوريا خلال عامي ٢٠٢٥ و٢٠٢٦، تم الإعلان عنها في مؤتمر بروكسل التاسع للمانحين في آذار ٢٠٢٥.
حقيقة أن هذه الزيارة الرفيعة المستوى والتي قوبلت بتفاؤل رسمي وشعبي تأتي ضمن جولة إقليمية تشمل الأردن ولبنان تذكرنا بأن سوريا ركناً أساسياً من معادلة إقليمية معقدة.
يبدو أن لقاء دمشق لم يكن مجرد زيارة دبلوماسية، بل هو بصمة أولى في خريطة طريق جديدة، خريطة ترسمها أوروبا مع شرق متوسط مختلف، وتسير عليها سوريا في رحلتها الطويلة من الدمار إلى البناء، ومن الصمت إلى الأمل.
إنه حلم إعادة الإعمار ٦٢٠ مليون يورو وأمل في نهضة سورية جديدة، هي دمشق تستقبل فجراً أوروبياً وفون دير لاين تفتح صفحة جديدة مع سوريا بعد الحرب، واليوم سوريا تتنفس من جديد هواء أوروبياً في شوارع دمشق القديمة.
بصمة أولى في خريطة طريق جديدة
Leave a Comment
Leave a Comment