بعد 100 يوم على التحرير سوريا تنهض اقتصادياً.. إجراءات لتحسين معيشة المواطنين وإعادة الإعمار

مدة القراءة 8 دقيقة/دقائق

الحرية – عمران محفوض:

دعونا بداية نتفق على أمر مهم وهو أنّ غياب الأرقام والإحصاءات وحتى المؤشرات الاقتصادية اليوم، وتغييبها قسرياً زمن النظام البائد، يشكل معضلة عند محاولة بيان حركة الاقتصاد الوطني، وتحديد وجهة سيره، والأهم التنبؤ بوتيرة هذه الحركة، ومدى مواكبتها للمتطلبات المعيشية اليومية للسوريين ..

ومع ذلك يمكننا الاستناد إلى بعض المعلومات المتوافرة بين أيدينا لإجراء مقارنة موضوعية لما تمّ إنجازه خلال المئة يوم الماضية من عمر الحكومة الجديدة بعد تحرير سوريا من النظام البائد رغم اعترافنا سلفاً بأهمية اختلاف الآراء بشأن ما سنسرده وتباين الآثار الاقتصادية والاجتماعية لما تمّ تحقيقه على جميع المواطنين نظراً لتفاوت دخولهم الشهرية وتنوع مستوياتهم المعيشية وتباعد أماكن سكنهم بين ريف ومدينة.

تحسين سعر الصرف
ولعلّ المؤشر الأكثر تأثيراً بنمط معيشة السوريين كان سعر الصرف، هذا السعر الذي كان أيام النظام البائد بمثابة السيف المسلط على رقابهم والمتحكم بأسعار كلّ شيء يخص حياتهم بدءاً بربطة الخبز وانتهاء بعبوة مياه الشرب، والغريب في الأمر أنّ نشرة المصرف المركزي كانت في واد، وسعر الدولار وغيره من العملات الأجنبية كان في واد آخر ما دفع بالكثير من ضعاف النفوس إلى “تسليع” الدولار عبر تهريبه للخارج أو احتكاره بدلاً من تحريكه في عمليات الاستيراد والتصدير ما أدى إلى ارتفاع سعر صرفه إلى مستوى قياسي تجاوز الـ ١٦ ألف ليرة في السوق السوداء ونحو ١٣ ألف ليرة في نشرة المركزي نهاية العام الماضي بينما سعره اليوم بين ١٠ آلاف ليرة و١٢ ألف على التوالي.
ومع إلغاء منصة تمويل المستوردات وتخفيض الرسوم والضرائب على السلع المستوردة والحد من حالات الفساد التي كانت ملازمة لها فقد استطاعت الحكومة الحالية تخفيض أسعار المواد والسلع الموردة إلى نحو ٥٠ % عما كانت عليها زمن النظام البائد، وزيادة كمياتها في الأسواق المحلية ما ساهم في ترجمة مبادئ التنافسية واقعاً تجارياً لمس المستهلك أثره على أسعار المنتج الوطني انخفاضاً إلى مستوى يوازي نظيره الأجنبي تقريباً، وطبعاً كان لهذا الانخفاض السعري فوائده على تحسين مستوى معيشة المواطنين إلى حدٍّ ما.

تعليق العقوبات
وبالتوازي مع إجراءات الحكومة الجديدة بعد التحرير لضبط سعر الصرف قامت بحركة دبلوسية ناجحة أسفرت عن تخلي الغرب عن بعض العقوبات الاقتصادية التي فرضها على الشعب السوري إبان النظام السابق حيث قام الاتحاد الأوروبي بتعليق عقوباته على قطاعات الطاقة والنقل والمصارف ما سمح للدول المنتجة للنفط من تسيير البواخر المحملة بآلاف الأطنان من المازوت والبنزين والغاز باتجاه الموانئ السورية ما انعكس وفراً محلياً من هذه المواد الضرورية للنقل والتدفئة وتشغيل المعامل وتوليد الكهرباء بعد أن كان حلم العائلة السورية زمن النظام البائد الحصول على ٥٠ ليتر مازوت للتدفئة كل شتاءين دفعة واحدة، واستلام أسطوانة غاز بموجب البطاقة الذكية كل عدة أشهر، وسط توافر المادتين في سوق سوداء بين أيدي سماسرة وبائعين يعملون تحت مظلة متنفذين فاسدين وينتشرون على قارعة الطرقات بين المحافظات وعلى أرصفة شوارع المدن وتحديداً في العاصمة على مقربة من أنظار الرقابة المعمية عنهم تماماً بعد قبض المعلوم أو تقاسم الفاسدين حصيلة فسادهم.
أما بعد التحرير فقد أصبحت المحروقات متوافرة بكميات كافية وبأسعار موحدة أدت إلى الحد من حالات الفساد وشبكات المتاجرة بهذه المواد الضرورية، والأهم لم تعد هناك تفرقة في التعامل بين المواطنين لجهة الحصول على المحروقات بين غني يستطيع بماله شراء كل ما يحتاجه، وبين فقير يلهث وراء أبسط حاجات أسرته ولا ينالها إلّا بعد مذلة.

توفير لقمة الحياة
نأتي إلى الحديث عن لقمة الحياة “الخبز” ، التي كانت إلى ما قبل ١٠٠ يوم وسيلة ضغط على بطون معظم السوريين عبر بطاقة التقنين المقيت وتارة بأسلوب تعطيل الأفران والمخابز بحجة قطع التبديل وشح المحروقات، والشماعة دائماً هي العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل الغرب على الشعب السوري والنتيجة آلاف العائلات ينام أطفالها بلا طعام.
ولاننسى عند ذكر ربطة الخبز التعريج على شبكات المتاجرة بهذه المادة الغذائية شبه الوحيدة على موائد الكثير من السوريين، والتي كانت أذرع هذه الشبكات أمام المخابز ورؤوسها داخل الأفران والمخابز وإداراتها من المعنيين بالإنتاج والتسعير لدرجة أنّ الربطة ذات الأرغفة السبع بوزن أقل من واحد كيلوغرام يشتريها المواطن من البائع/ البائعة بمبلغ يتراوح بين ٥ إلى ٧ آلاف ليرة حسب الوقت صباحاً أو ليلاً بعد إغلاق المخبز أو خلال ساعات عمله.
أما اليوم وبفضل جهود الحكومة الجديدة أصبح الخبز متوافراً ضمن المخابز وفي البقاليات بلا ازدحام ولا طوابير وبالكميات التي تكفي حاجة كل أسرة والأهم بالسعر المقرر رسمياً.

معالجة أزمة النقل
والحال من بعضه عند التطرق إلى أزمات النقل داخل المدن وبين الأرياف، والمحافظات حيث كنا نرى مئات الموظفين ينتظرون لساعات على مواقف السرافيس، وعند منازلهم على الطرقات؛ بانتظار وسيلة نقل تقلهم إلى أماكن عملهم وبالعكس، ولطالما فكر بعضهم باقتناء حمار لاستخدامه وسيلة نقل و ركوب؛ مستذكرين حال أسلافهم أيام العصر الحجري أو ما قبل التاريخ لشدة المعاناة من ندرة باصات النقل وتحكم سائقي التكاسي بالركاب، أما اليوم فقد أصبح سائقو السرافيس يملّون انتظار الركاب ونراهم بالعشرات عند بداية الخط ونهايته يعملون من الصباح الباكر حتى ساعات متأخرة من الليل مع تقيد معظمهم بالتسعيرة المحددة رسمياً، والأغرب في ذلك التغيير الإيجابي أنّ بعض سائقي التكاسي يطلبون تسعيرة السرافيس ذاتها عند النقل الجماعي من كثرة السرافيس والباصات.

زيادة ساعات التغذية الكهربائية

واستطاعت الحكومة السورية الجديدة الإيفاء بوعدها بزيادة ساعات التغذية الكهربائية إلى نحو ثماني ساعات خلال شهر رمضان الحالي بعد إجراء صيانة بعض محطات توليد الكهرباء وخطوط الشبكة ووضعها بالخدمة، ما أدى إلى زيادة ساعات التغذية.

تأهيل المطارات

في موازاة ذلك، أعادت الحكومة الجديدة تأهيل مطار دمشق الدولي المتهالك خلال فترة زمنية قصيرة، وافتتحت الأسبوع الماضي، مطار حلب الدولي بعد عملية إصلاح وإعادة تأهيل استمرت عدة أشهر، بحيث أصبح جاهزاً لاستقبال الرحلات الجوية بعد استكمال جميع التجهيزات الفنية والإدارية.

فرحة ولكن

وبينما يعيش السوريون حالة من الفرح بتحريرهم من نظام الأسد، فإنهم يدركون أنّ أمامهم تحديات كبيرة على الصعيدين المحلي والإقليمي والدولي لإعادة بناء بلدهم.

ويرى خبراء أن نظام الأسد دمر اقتصاد سوريا وبنيتها التحتية، حيث استهدف المدارس والمستشفيات والمصانع والمناطق السكنية، كما أن المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص وحماة، التي كانت تاريخياً تتمتع بفرص اقتصادية أفضل، تواجه أيضاً تحديات كبيرة في إعادة الإعمار.

وبحسب تقديرات البنك الدولي انكمش اقتصاد سوريا بنسبة 85% خلال ما يقرب من 14 عاماً من الحرب، حيث تراجع الناتج المحلي الإجمالي من 67.5 مليار دولار في 2011 إلى 8.98 مليارات فقط في 2023.

كما تدهورت قيمة الليرة السورية بشكل كبير، من نحو 45 ليرة للدولار عام 2010 إلى أكثر من 13 ألف ليرة في 2023، ما أدى لارتفاع التضخم إلى 140% مقابل 4.8% في 2011، ودفع 96% من السوريين تحت خط الفقر من نحو 47.7% فقط في 2009، بحسب بيانات البنك الدولي.

إعادة بناء الاقتصاد

وذكر مختصون أنّ التعافي الاقتصادي أمرٌ بالغ الأهمية لاستقرار سوريا، فمن دون ذلك، ستزداد الاحباطات بسبب الظروف المعيشية والخدمات، كما أنه أساسي لعودة اللاجئين من لبنان والأردن وتركيا، التي واجهت تحدياتها الخاصة بسبب النظام البائد.

وقالوا: إنّ إعادة بناء الاقتصاد إطاراً تشريعياً جديداً، وبيئة تجذب الاستثمارات، وإعادة بناء البنية التحتية، والحفاظ على السلام والنظام العام هذه أولويات الحكومة المستقبلية.

إعادة الإعمار

وتشير تقديرات البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة إلى أنّ تكلفة إعادة إعمار سوريا تصل إلى حوالي 800 مليار دولار، ما يجعل الدعم الدولي والإقليمي أمراً بالغ الأهمية.

Leave a Comment
آخر الأخبار