بملامح شبه ثابتة.. موسم الدراما وحصاد (2026)

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية- علي الرّاعي:
لعلّ من المفاهيم التي تذهب بالاتجاه الأشد بؤساً تلك التي توصف الأعمال الإبداعية من سينما ومسرح ودراما ورواية وقصة وحتى الشعر.. باعتبارها أجناساً تعكس الواقع أو هي مرآة له وحسب.. والبعض ليؤكد هذا الاتجاه يصر على أنه يوثق، وكأن هذه “التسجيلية” من مهماته!!

من زاوية أخرى

حسناً دعنا نؤكد لاصحاب تلك المفاهيم ومن زاوية أخرى نقول: إن الإبداع البائس ذلك الذي يقع في مطب الوثائقية والتسجيلية.. صحيح هناك أعمال وثائقية عالية الإبداع؛ ذلك لأن الواقع هو ميدانها، ومع ذلك لا تخلو من إيجاد معادل إبداعي للواقع يذهب صوب المجاز والتخييل.. أما أن يكون العمل الإبداعي واقعياً وحسب، فهنا يكون وقع في مطب (المباشرة)، وهو في الإبداع مطب قاتل للعمل الإبداعي أياً كان نوع هذا العمل الإبداعي، والأمر يُشبه ما يحصل في التحقيقيات الجنائية عندما يُعيد المتهم “تمثيل الجريمة”..

إبداع وليس تسجيلاً

نحن هنا نتحدث عن أعمال إبداعية، وفي التعريف؛ يعني تقديم إضافة إبداعية لما أُنجز من إبداع، وهذا في الحدّ الأدنى، لأن الإبداع الحقيقي؛ هو المنجز الخلاق الذي يُفارق كلَّ ما سبقه، ومن هنا كيف يكون الإبداع مرآة للواقع فقط، ربما قد نفهم أو نتفهم إنطلاق العمل الإبداعي من لحظة واقعية، كباعث للإبداع وحسب.. وإذا ما وجهنا الرؤية أكثر ونظرنا في موسم الدراما ٢٠٢٦؛ فسنحصل على خيبة بحجم عمر الدراما السورية نفسها.. والتي تركزت أكثر ما تركزت في العتبة الأولى في عمارة هذه الدراما أو أحد أركانها الثلاثة، وأقصد النص، ذلك أن كثيراً ما توفر لهذه الدراما المخرج الحرّيف، والممثل المبدع، لكن كثيراً أيضاً ماكانت عقدة نجارها في الكتابة – النص..

ملامح شبه ثابتة

فإذا توفر لدينا الممثل المبدع المتقن لأدواته، والمخرج المحترف إلى حدّ كبير، غير أن المحنة كانت تكمن دائماً في النص، وهذا ما تلمسناه في أغلب أعمال هذا الموسم وقليلاً ما نجا من هذه المحنة عملٌ درامي بالكامل، هل لأن الأمر كذلك، كان هذا الوقوع في مطب المباشرة، والذي كان حصيلته كلّ هذا “الجدل البيزنطي”، ومن ثم هذا “التناع” والتحاذب في المواقف من اتجاهات هذه الأعمال- الشبه واقعية أو التي تتوسل الواقعية والتوثيق، وهو الأمر الذي اتجه أكثر ما اتجه صوب منحى المواقف السياسية، حتى أن بعض الأعمال كان من “خصالها” إنها لم ترضِ أحداً ومن الأطراف المختلفة عليها، وكلٌّ حسب الزاوية التي يقف منها ناظراً للعمل الدرامي الذي كثيراً ما ينتظر منه موقفاً سياسياً يُدّعم به إيديولوجيته التي يتعمشق بها..

سامر رضوان

وربما من الأعمال القليلة التي حاولت – وإلى حدّ ٍ بعيد – أن تُقدّم واقعاً من وجهة نظر مُحايدة على مستوى الكتابة كان مسلسل (الخروج إلى البئر) كتابة سامر رضوان، وإخراج محمد لطفي، وبالتاكيد كان حضور الفنان جمال سليمان أعطى وزناً إبداعياً للعمل، ربما لن يستطيع تحقيقه دون وجوده، وأعتقد أن سامر رضوان الذي عُرف كسيناريست إشكالي بدأ منذ أعماله: “ابتسم أيها الجنرال، دقيقة صمت، وثلاثية الولادة من الخاصرة”، وسبق ذلك بالمسلسل الأجمل” لعنة الطين” والتي ذهب فيها جميعها إلى “التحليل السياسي”، وذلك من خلال تجلي لعنة السياسية على الأسرة والمجتمع السوريين، ورغم أنني كثيراً ما أميل إلى مسلسل “لعنة الطين” الذي أراه كان واسطة العقد في الأعمال التي كتبها سامر رضوان، غير أن (الخروج إلى البئر) كان أيضاً من النصوص الناضجة في أعمال السيناريست رضوان إلى حدّ كبير..

بخمس أرواح

وإذا كانت أعمال موسم دراما (2026) تكاد لم ينجُ منها عملٌ من الوقوع في فخ المنازعات والتنازع؛ غير أن مسلسل (بخمس أرواح) إخراج رامي حنا؛ وكتابة يزن الداهوك، وحمزة اللحام؛ يبدو خلال هذا الموسم كناجٍ وحيد من بين هذه الأعمال، رغم أن هذا المسلسل ليس سوريّاً صرفاً، وإنما يدخل ضمن مجموعة الأعمال الدرامية التي عرفت بال”بان آراب” أي الأعمال العربية المشتركة، وهنا كان سورياً– لبنانياً، ظهر من خلاله الفنان قصي خولي  كمُحلق فذ في سماء الإبداع لاسيما من خلال تصاعد تطور البناء الدرامي شيئاً فشيئاً مقدماً المتعة الفنية الخالصة بعيداً عن كل تجاذبات الواقع السياسية..

شراكات فقدت الصلاحية

ثمة ما يُشبه النكتة – النقدية سادت موسم دراما 2026، والتي تقول: عندما تشاهد إبراهيم شيخ إبراهيم في مسلسل، يعني أن المخرج هو رشا شربتجي، وعندما تشاهد تيم حسن؛ إذاً العمل يكون من إخراج سامر برقاوي.. والحقيقة إن مثل هذه الشراكات التي كثيراً ما وصفت ب”الشللية” في الوسط الفني أوسع بكثير من المثالين السابقين موضع النكتة – النقدية، فقد سبق أن تشارك كلٌّ من علي وجيه ويامن الحجلي بأكثر من عمل درامي، ومن إخراج رشا شربتجي، والحقيقة إنّها في مجملها كانت لافتة لاسيما لجهة المسلسل – التحقيق الصحفي الاستقصائي، أي المسلسل الذي يُعادل التحقيق الصحفي المتعارف عليه في هذا النوع الصحفي – التحقيق، لاسيما من خلال التركيز على قضية مثل قضايا: النباشين، المتسولين، الدباغين التي اشتغل عليها كلٌّ من الثلاثي: علي وجيه، يامن حجلي كتابة، ورشا شربتجي إخراجاً.. وفي (مطبخ المدينة) هذا الموسم لعلي وجيه، ورشا شربتجي، كان ناقصاً أحد أركانه الفنان يامن حجلي كاتباً وممثلاً، ورغم احتفاظ المسلسل ببقية “الثوابت” لرشا شربتجي مع توفر (إبراهيم شيخ إبراهيم)، غير أن (مطبخ المدينة) كان من أضعف ما اشتغل عليه علي وجيه ورشا شربتجي في شراكتهما الفنية، لا أدري إن كان السبب غياب يامن حجلي عن الثلاثية أم كان الأمر لأسبابٍ أخرى!!
وهو ما يُمكن أن نسحبه على مسلسل (مولانا)، الذي فقد أحد أركانه الثلاثة أيضاً في الشراكة والتي كانت تجمع بين تيم حسن ممثلاً، وسامر يرقاوي مخرجاً، وعمر أبو سعدة كاتباً، الأخير الذي غاب عن هذه الشراكة في هذا الموسم، ومن ثمَّ كان هذا التواضع في الإبداع سواء إخراجاً أو تمثيلاً لحد الهراء في (مولانا)!!
أخيراً؛ ربما لفت أمرٌ في حصاد الدراما 2026، وهي حكاية “النباشين” في مسلسلي: “مطبخ المدينة، وبخمس أرواح”.. ولابد لفت أمرٌ آخر الكثيرين، وهو “التقاطعات” العديدة بين هذين المسلسلين، وبين مسلسل في موسمٍ دراميٍّ سابق، هو مسلسل (أولاد بديعة) الذي كان لرشا شربتجي إخراجاً، ولعلي وجيه ويامن حجلي كتابةً، أما لجهة المشردين والأيتام ومجهولي النسب الذين يبحثون عن آباء لهم وعائلات، فتلك قضية شكلت أهم ملامح موسم دراما ٢٠٢٦: مطبخ المدينة، بخمس ارواح، واليتيم؛ تلك كانت الركائز التي كانت رافعة لمثل هذه المسلسلات!!

Leave a Comment
آخر الأخبار