بناء القدرة الشرائية والكرامة الاقتصادية

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- يسرى المصري:

يسمع السوريون ويرون بأم أعينهم التوقيع على استثمارات بمليارات الدولارات ..ينظرون الى السماء ويدركون جيداً أنها لا تمطر ذهباً ولا فضة لكنهم يرجون تجارة لن تبور مع الأشقاء السعوديين الذين أظهروا شجاعة وحماسة ليكونوا من آوائل قوافل الواصلين إلى الشام يحملون المشاريع التي تعيد الأمل والتعافي ليس فقط للاقتصاد السوري ..وانما يرسمون ملامح إقليم اقتصادي جديد ضمن معادلة اقتصادية أوسع تشهد إعادة تشكيل لموازين النمو الاقتصادي في المنطقة.
ويشكل مشروع إعادة الاعمار عصب التعافي الاقتصادي وحجر الزاوية في منظومة الاستثمارات العالمية التي تقودها السعودية ، ويوجه تدفقات التجارة، ويدعم النمو الصناعي وقطاع النقل حول العالم.
وفي قراءة لشرح الدلالات الاقتصادية لهذه الاستثمارات وربطها بحياة الناس ومعيشتهم نجد أن تشكيل القيمة المضافة والمنافع المباشرة تشكل دائرة واسعة ففي قطاع الاتصالات نجد أن دخول عملاق مثل الاتصالات السعودية (STC) لا يعني مجرد اسم جديد في السوق. إنه يعني منافسة حقيقية ستُترجم حتماً إلى تحسين جودة الخدمة، وتخفيض الأسعار على المدى المتوسط، وطرح باقات مبتكرة. المواطن الذي يعاني من بطء الإنترنت أو تكاليف الاتصال المرتفعة، سيجد نفسه قريباً أمام خيارات أوسع. هذه ليست رفاهية بل هي خطوة أساسية نحو الشمول المالي وتمكين أصحاب المشاريع الصغيرة والتجارة الإلكترونية، مما ينشط الدورة الاقتصادية المحلية.
وفي قطاع النقل والطيران فإن إعادة تأهيل مطار حلب الدولي وتأسيس شركة طيران جديدة مثل “طيران ناس”، يعني أمرين مباشرين الأول انخفاض تكلفة السفر مع زيادة المنافسة وعدد الرحلات، وإعادة فتح باب السياحة الذي طالما كان مصدر رزق آلاف العائلات. هذا ليس مشروعاً تجارياً فحسب؛ بل هو مشروع لاستعادة الأمل الاقتصادي لأصحاب الفنادق والمطاعم والحرفيين فمن المرتقب خفض أسعار تذاكر السفر، وعودة البضائع عبر الشحن الجوي بأسعار أكثر تنافسية.
ويأخذ الاستثمار في الاستقرار الاجتماعي والصحي حيزاً هاماً عبر تطوير قطاع المياه والبنية التحتية والتي تبنتها استثمارات “أكوا باور” في تحلية ونقل المياه ..حيث كان نقص المياه وتردي البنية التحتية يرفعان تكاليف الحياة بشكل غير مرئي وبالتالي فأن تكاليف شراء المياه من الصهاريج، تكاليف العلاج من الأمراض المتعلقة بالمياه الملوثة، وتراجع الإنتاج الزراعي الذي يرفع أسعار الخضار والفواكه ستصبخ من الماضي مع تأمين مصدر مائي مستقر والذي يعني استقراراً في أسعار الغذاء وصحة أفضل للمجتمع، وهو أساس أي نهضة اقتصادية حقيقية.
لكن التفاصيل في مشهد الاستثمارات لاتقل أهمية عن التمويل ..فثمة مسؤولية كبيرة تقع على عاتق جميع الأطراف لتحقيق هذه الفوائد المنشودة وعلى المستثمر السعودي أن يفهم أن نجاحه مرهون بفهم عمق المعاناة السورية وضرورة تقديم خدمات بأسعار مقبولة وجودة عالية. وعلى البيئة التشريعية والمؤسسية المحلية أن تُهيئ نفسها لتكون شريكة في النجاح، عبر تبسيط الإجراءات وضمان الشفافية، لتحويل رأس المال إلى فرص عمل حقيقية للمواطنين.
هذه الموجة الاستثمارية هي مشروع وطني للطبقة الوسطى والمهمشين اقتصادياً، قبل أن تكون فرصة للأعمال الكبيرة. كل انخفاض في سعر الاتصال، كل رحلة جوية أرخص، كل لتر ماء نظيف يتوافر بسهولة، هو خطوة في مسار إعادة بناء القدرة الشرائية والكرامة الاقتصادية للأسرة السورية. إنها رؤية تبدأ من حاجة المواطن الأساسية لتنتهي إلى اقتصاد وطني قوي. والشعوب التي أثبتت مرونتها في زمن المحن، هي الأجدر بقطف ثمار الاستقرار والازدهار في زمن السلم والبناء.

Leave a Comment
آخر الأخبار