“ليلة الرؤية”.. بهجة ترقب هلال رمضان في الذاكرة الوجدانية

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – رنا بغدان:

وثّق المؤرخون والكتّاب والرّحالة الكثير من المظاهر الاحتفالية بشهر رمضان الكريم ليزهو بتراثه الروحي والاجتماعي والشعبي والإنساني عبر العصور، ولتتوارثه الأجيال باعتزاز وافتخار، وتتناقله في العالمين العربي والإسلامي.. وقد ذكر الحافظ بن حجر العسقلاني أنّه “في الحديث دليل على فضل شهر رمضان، واستحباب إظهار السرور بقدومه”.. من هنا تعددت مظاهر الاحتفالات تمهيداً لحلوله وعند حلوله وتميزت بين عصر وآخر وحتى بين البلدان وتباينت وفقاً للعصور التاريخية التي مرت بها، إلا أن المصريين ومنذ القرن السابع الميلادي تفردوا باحتفالاتهم وطقوسهم الشعبية وعاداتهم المُتبعة في هذا الشهر المبارك.

“ليلة الرؤية”

وكان أولها احتفالات استطلاع هلال شهر رمضان في موكب تتقدمه الموسيقا والجنود بطبولهم والتي تُعرف بـ”ليلة الرؤية”، وعند إعلان ثبات الرؤية كانت تطلق الصواريخ والألعاب النارية والمدافع في الهواء وتُوزع الحلوى، وتُقام حفلات الإنشاد الديني في المساجد ويُعلن عن بدء الشهر من فوق المنابر، مع تلاوة الآيات القرآنية التي تُبشر بقدوم الشهر الكريم، كما تتم الاستزادة من إنارة المساجد، فتُعلّق المصابيح بأعالي المآذن وعلى واجهاتها ابتهاجاً بحلول شهر رمضان.. وقد بلغ من اهتمام الفاطميين بإنارة المساجد في ليلة رؤية الهلال حداً لجأ معه الحاكم بأمر الله إلى صناعة “تنّور” هائل من الفضة الخالصة لإضاءة محراب الجامع الأزهر في ليالي رمضان ولم يستطع القوم إخراجه بعد انقضاء الشهر الكريم إلا بعد هدم الحائط المجاور للباب.

وصف الرحّالة

وقد سمّى ابن بطوطة في رحلته الأولى لمصر سنة (727هـ/ 1327م) “ليلة الرؤية” بـ”يوم الركبة لرؤية الهلال” ووصفها فقال:
“..وعادتهم فيه أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر، من اليوم التاسع والعشرين من شعبان بدار القاضي، ويقف على الباب نقيب المتعممين، وهو ذو شارة وهيئة حسنة، فإذا تكامل الفقهاء ووجوه الناس، ركب القاضي ومن معه أجمعون، وتتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والصبيان، وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مرتقب الهلال عندهم، وقد فُرش ذلك الموضع بالبُسط والفرش، فينزل فيه القاضي ومن معه، يترقبون الهلال، ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس، ويُوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون، هكذا فعلهم كل سنة”.

“دورة رمضان”

وارتبط استقبال الهلال باحتفالات عظيمة حولت “ليلة الرؤية” إلى مهرجان شعبي كبير، كما نُظمت المواكب الشعبية والتي منها ما عُرف بـ”دورة رمضان”، فعند ثبات الرؤية وحلول أول يوم من أيام شهر رمضان يخرج الخليفة من قصره في موكب مهيب وضخم من باب الذهب بالقصر الفاطمي الزاهر، بثيابه الفخمة وعلى رأسه التاج مُتقلداً بالسيف وقضيب الملك بيده؛ ويلتف حوله الوزراء بملابسهم المزركشة وخيولهم بسروجها المذهبة، وفي أيديهم الرماح والأسلحة المُطعمة بالذهب والفضة والأعلام الحريرية الملونة، وأمامهم الجند تتقدمهم الموسيقا، ويخرج الناس بأعداد كبيرة تتقدمهم الخيول والإبل المزركشة، ويطوف معهم الصُنّاع والتجار الشوارع والميادين وقد لبسوا ملابسهم المميزة وبأيديهم نماذج من منتجاتهم وسط مظاهر من البهجة والفرح احتفاء بقدوم الشهر الكريم.
وبحسب المؤرخين، فعلى مرّ العصور أضاف الولاة والحكام والشعب طقوساً خاصة بالشهر المبارك عكست ثقافة ذلك العصر وروحه مع الحفاظ على بعض العادات التي بقيت مستمرة حتى اليوم والتي تعبر عن الاهتمام بالاحتفال برؤية الهلال حتى بعد انتقال إثبات رؤيته إلى المحكمة الشرعية.

Leave a Comment
آخر الأخبار