الحرية: محمد خالد الخضر:
يعتمد الأديب الدكتور نبيل طعمة في كتاباته التي شملت التراث والفكر والفلسفة والنثر والشعر على الرمز وجماليته الذي يربط من خلاله الماضي بالحاضر ويكون البنية الثقافية لما يقدمه من خلال نظرية الانتماء الأخلاقي التي تأتي في الموضوع.
ونتناول مجموعة خواطره الشعرية التي جاءت بعنوان بين الشك واليقين نموذجاً لأسلوبه الفلسفي والصوفي فيقول على سبيل المثال
اسقنا من الحقيقة
حيث نصل ..
عطاشاً .. هائمين
لا تدعنا نعد خلف السراب
حيث تأسرنا كؤوسنا المترعة
نستقي منها ما نشاء ..
لا كما تشاء.
وهنا يضيف طعمة على منهجه وأسلوبه رؤى جديدة ليطرح ظاهرة التجديد المتطور ويتجه إلى مستقبل .. من أهم مؤثراته التفاعل مع المجتمع فهو لا يعني فرداً واحداً ، وإنما هو صوت الناس وصوت الأمة في هدفه بالتفاعل مع المجتمع .. فالنص يتميز بخصوصية في كل مجال تبدأ بالانعكاس الوجداني الذاتي ثم ينعكس في شعره فيقول :
صراعنا مع بعضنا مرير
يديره الغريب منا والبعيد
حيث اتكائه على الأرائك
على الحرير ..
يحركه كما أنه يحرك الغربان
والثعبان من ناي عتيق
ضمن غابة لا حدود لها
حيث هناك
لا سر لا وازع لا ضمير.
فالوجدانية والأخلاق شيء يتأصل في ذات المؤلف، وعندما تدفعه موهبته للكتابة ينعكس هذا الشيء صوراً وأفكاراً شعرية متماسكة ومتأثرة بعلاقات جاءت بكثير من المواقف ضمن جمالية شعورية، مستمدة من الهدف المطروح في تفرده بأسلوبه الذي جاء بالمنتج الفني والدلالي منعكساً من الواقع الذي نصل إليه في نهاية الموضوع.
ويخيل للقارئ والمتلقي في بعض ما يذهب إليه أن النص الذي جاء بعنوان بين الشك واليقين قد يكون نصاً عاطفياً ولكن في النتيجة كل المؤثرات القادمة بحس مرهف والتي جاءت عبر الخيال بلفظ أنيق وعاطفة جياشة هي تؤدي إلى تمسك بالصدق والمحبة وإن قال :
شاقتني الحياة ولم أضجر
زوبعة ليالي الحب.
فهو يقول بعد قليل :
وداع .. وداع
أغادر الضياء
أرحل للعماء.
ويقول أيضاً :
أيها المغامر الجريء
أميناً محباً كنت
أم ماكراً خبيثاً
اصمت فمهما كنت
فأنت مخلوق من ماء وطين.
نجد في هذا التعبير الجميل دلالات على تحذير الآخر وتنبيهه من أي وصول إلى غلط مخالف للحقيقة التي أبدع وجودها الخالق سبحانه وتعالى فتسلسل الموضوع يحرص من خلاله على التوازن البنيوي لتطويع الحرف والعبارات والأفكار في النتيجة لصالح المعنى الذي يذهب إليه وينشده فكلما يصدر في نتيجة الأمر يصل إلى إيمان حقيقي غير مخالف للإيمان ولا للرسالة الإنسانية فيقول :
يشتعل الحب
لا يكذب لا يخون
يهزم الفقر والغنى معاً
يسعفه كثيراً.
وتأتي المفاجأة في الصورة الشعرية التي يشكلها خلال الفلسفة الجديدة واستكشاف المزيد مما يريد أن يصل إليه من خلال تشبيهاته واستعاراته المكنية وسمو عاطفته ونقاء ما يصبو إليه، فنصل إلى حب كبير هو حب الوطن فيقول في قصيدته :
وطني ينابيع عشق تتدفق
شطئان مجد فتخيلوا وتحققوا
برقاً سحاباً .. مطراً زلالاً .. صليباً هلالاً
أحسست وحيه في داخلي يتنزل.
فالوطن الذي يعتبر أسمى حب في ضمير المفكر الكاتب الحقيقي هو كل المكونات التي ذهب إليها النص. فالإرادة النفسية دعمت قوة الأداء الوجداني في الوصول إلى معايير جمالية تؤكد العلاقة القوية بين المؤلف ووطنه، بحذر من أي غلط قد يؤثر على الضمير أو يغضب الخالق أو يقدم مكونات معقدة تركب الإنسان .. وإن كانت الحيرة موجودة أحياناً عند المتلقي ففي النتيجة نجد الوصول إلى حب كبير يتجاوز ببراءة كل شيء .. فصدق المشاعر ونقاء الوجدان جاءا في تجربة إنسانية خاصة مليئة بالفرح والحزن لتنمو وتصل إلى سمو مطلق.
وثمة مثال آخر في النص يقول :
قاسيون
أراك تبث .. لغة الظنون
تبدو معها
كناسك متعبد حزين
جبل الشموخ
حامل الألق الرصين
وهنا قاسيون رمز دمشق حاضرة العراقة والأصالة، ومنها انطلقت رايات الفتح تحمل الحب والحرية وهي مثال كبير في القوة والعظمة نجده قد وصل إليها من خلال الفلسفة والحب والشموخ.
فكل شيء مرتبط عنده بالوطن الجمال والمرأة والحنان والخمائل والورود . يصل كل ما استخدمها إلى حب مفاجئ .. ويختلف كثيراً عن الحب الذي يذهب إليه كثيرون.
وها نحن وصلنا في نتيجة النص إلى بوحه وأسراره على وصول الإنسان إلى جلالة المواقف والتعبير في التعامل . والتمسك بالانتماء والأهل والأحبة. حتى لا يكون الإنسان ضعيفاً أمام ما يتعرض إليه.
وفي كل مؤلفاته الشعرية مثل حينما التقيتك والفكرية مثل فلسفة التكوين الفكري، نجد أن نبيل طعمة يتمسك بالتفكير وبالفلسفة والمنطق والوجدان ليصل إلى حب كبير يخص الإنسان بأخلاقه وسموه ومعانيه.