مع تزايد تأثير التكنولوجيا على القوى العاملة.. هل نحن أمام عصر الاستبدال أم التحول؟

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية- آلاء هشام عقدة:

لم يعد الجدل حول تأثير التكنولوجيا على سوق العمل مقتصراً على الوظائف اليدوية والروتينية. فمع التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) والروبوتات المادية (Physical AI)، أصبحت المهام الإبداعية والذهنية أيضاً في دائرة الاستهداف.

لذلك لا بد من تحليل الآثار المعقدة لهذه التكنولوجيا على توزيع القوى العاملة واستخدامها.

عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية الدكتور عبد الهادي الرفاعي أوضح لـ”الحرية” أنه للإجابة عن سؤال الاستبدال بشكل قاطع، وهل تحل التكنولوجيا محل البشر؟ الإجابة ليست ببساطة “نعم” أو “لا”.

تشير الأدلة من عام 2025 إلى أن الأثر الأكبر للتكنولوجيا لا يكمن في الإحلال الكامل، بل في إعادة التوزيع. فاستطلاعات الرأي التي أجريت على رؤساء أقسام في شركات كبرى أوضحت أنهم يتوقعون أثراً مسطحاً إلى إيجابي” على مستوى التوظيف، مع إعادة هيكلة للمهام.

شركة ويستباك (Westpac) تؤكد هذا الرأي بالاعتماد على التاريخ الاقتصادي؛ فكما أن المكننة الزراعية لم تؤدِ إلى بطالة جماعية بل خلقت وظائف جديدة في قطاعات أخرى، فإن الذكاء الاصطناعي سيُقلص فرص العمل في مجالات معينة، ولكنه سينشىء فرصاً أخرى لم تكن موجودة من قبل.

وأضاف الرفاعي معللاً: نحن الآن نشهد تحولاً في طبيعة الوظائف أكثر من كونها نهاية للوظائف. فبدلاً من إلغاء دور “المحاسب” مثلا، قد تتحول مهامه من إدخال البيانات إلى تحليل النتائج التي ينتجها الذكاء الاصطناعي واتخاذ القرارات الاستراتيجية بناء عليها.

مبيناً إن الآثار الملموسة على القوى العاملة (خلال العامين 2025-2026) من حيث الأتمتة فهي تستهدف المهام وليس الوظائف الكاملة.

وتظهر الدراسات الحديثة أن الوظائف التي تعتمد بشكل كبير على المهام الروتينية والمتكررة هي الأكثر عرضة للأتمتة، حتى لو كانت هذه المهام ضمن وظائف معقدة.

فالوظائف الإدارية والمكتبية هي الأكثر تأثراً، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي تولي مهام جدولة المواعيد، الرد على الاستفسارات البسيطة، ومعالجة الفواتير.

بالإضافة لتأثير متفاوت على الخبرة.. الموظفون الجدد (حديثو التخرج) هم الأكثر تأثراً، لأن المهام الروتينية التي تُعطى للمبتدئين ليتعلموا منها هي نفسها الأسهل للأتمتة.

قطاع تكنولوجيا المعلومات:

شهد قطاع تكنولوجيا المعلومات أقوى توقعات بانخفاض الحاجة للتوظيف (بنسبة 9.8%) بسبب قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد ومراجعة الأكواد البرمجية. مايكروسوفت نفسها استغنت عن 6000 موظف، معظمهم من مهندسي البرمجيات، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي يولد 30% من الأكواد الجديدة في مشاريعها، حسب الرفاعي.

الروبوتات المادية تقتحم المصانع

رئيس شركة Arm يتوقع أنه خلال الخمس إلى عشر سنوات القادمة، ستقوم الروبوتات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي باستبدال معظم عمال المصانع. الفرق الجوهري هنا هو أن هذه الروبوتات لم تعد مخصصة لمهمة واحدة، بل أصبحت قابلة لإعادة البرمجة لتنفيذ مهام متعددة، مما يجعلها بديلا أكثر مرونة للإنسان.

• التفاوت في التأثير

ويشير الدكتور الرفاعي إلى أن التكنولوجيا تعمق الفجوات القائمة، فالعمال ذوو المهارات المنخفضة هم الأكثر عرضة للاستبدال، خاصة في قطاعات مثل خدمة العملاء، التجزئة، والمستودعات. هذه الوظائف أكثر عرضة للاستبدال بـ 14 ضعفاً مقارنة بالوظائف ذات الرواتب المرتفعة.

أما عمال المعرفة فهم الأكثر استفادة، إذ إن الذكاء الاصطناعي يعمل كمساعد لهم، ما يزيد إنتاجيتهم بشكل كبير (تحسن جودة العمل بنسبة 40% للمستشارين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي).

ويوضح الدكتور الرفاعي حول سؤال لماذا لا تستطيع التكنولوجيا استبدال البشر بالكامل؟

الحاجة إلى اللمسة الإنسانية

مع زيادة وفرة المهام التي تؤديها الآلات، فإن المهارات البشرية البحتة تصبح أكثر ندرة وبالتالي أكثر قيمة. فالأشياء التي لا تستطيع الآلة فعلها (مثل التعاطف، الإبداع الحقيقي، الحكم على الأمور في سياقات غير واضحة، القيادة) سيرتفع ثمنها. “الخدمة الشخصية” ستصبح سلعة كمالية.

بالإضافة للحاجة إلى الإشراف البشري فحتى مع تطور (الوكلاء الأذكياء) تؤكد التقارير على أهمية بقاء الإنسان (في حلقة الإشراف) الموظفون يفضلون العمل بمزيج من الذكاء الاصطناعي والزملاء البشر، خاصة عندما يتعلق الأمر بجودة العمل النهائي.

بالإضافة للحدود المادية والقانونية

الروبوتات لا تستطيع فتح وإغلاق المتجر، أو التعامل مع حالات الطوارئ الطبية المعقدة التي تتطلب لمسة إنسانية، أو تحمل المسؤولية القانونية عن الأخطاء.

وعن مستقبل التوزيع الوظيفي – أين ستكون الوظائف الجديدة؟ يبين الرفاعي أنه سيتم صعود ما يسمى (اقتصاد النتائج)

بعض شركات البرمجيات مثل Zendesk لن تبيع (برامج) فقط، بل ستبيع (نتائج). فبدلاً من أن تشتري شركة 1000 (ترخيص) لموظفي الدعم الفني، قد تدفع لشركة البرمجيات مبلغاً ثابتاً لتقوم هي بحل جميع استفسارات العملاء باستخدام الذكاء الاصطناعي. هذا يحول سوق البرمجيات من 300 مليار دولار إلى استهداف سوق العمل البالغ 13 تريليون دولار.

عدا عن نمو الوظائف التي يصعب أتمتتها، ففي تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي يحدد العائلات الوظيفية التي ستشهد أكبر تحول ولكن أيضًا أكبر طلب، وهي تشمل 80% من القوى العاملة عالمياً:

• الزراعة: استخدام الطائرات من دون طيار والاستشعار عن بعد.

• الرعاية الصحية: حيث يبقى التفاعل البشري مع المريض أساسياً.

• الحرف الفنية والمهارات اليدوية: سباكة، لحام، بناء. هذه المهن تواجه نقصاً حاداً في العمالة ولا يمكن للروبوتات أداؤها بكفاءة في المواقع غير المهيكلة.

الدور الحيوي لإعادة المهارات

إن الوصول إلى برامج التدريب وإعادة التأهيل غير متساو. فالعاملون في الوظائف ذات الياقات البيضاء يحصلون على فرص تدريب أكثر بثلاث مرات من نظرائهم في قطاع الخدمات والطعام. الشركات التي ستنجح هي التي ستستثمر في تدريب فرقها للعمل جنباً إلى جنب مع (الروبوتات التعاونية).

وختاماً هل يمكن أن تحل التكنولوجيا محل قوة العمل؟

الإجابة المختصرة: هي نعم، في مهام محددة ووظائف بأكملها في قطاعات معينة (خاصة تلك القائمة على المهام الروتينية).

والإجابة الشاملة: هي لا، لا يمكنها استبدال القوى العاملة بالكامل، لأنها في الوقت نفسه تعيد توزيع العمل وتنشئ فرصاً جديدة وتعزز قيمة المهارات الإنسانية البحتة.

نحن ننتقل من عالم (الإنسان مقابل الآلة) إلى عالم (الإنسان والآلة معاً). والتحدي الأكبر الذي يواجه الحكومات والشركات هو كيفية إدارة هذا الانتقال بشكل عادل، من خلال ضمان شبكات أمان اجتماعي قوية، وتوفير فرص إعادة تأهيل وتدريب للجميع بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية، وإعادة تصميم الوظائف لتكون مكملة للتكنولوجيا بدلاً من أن تكون منافسة لها.

Leave a Comment
آخر الأخبار