الحرية– آلاء هشام عقدة:
لم يعد الحديث عن تبديل العملة في سوريا نقاشاً اقتصادياً نخبوياً، بل قضية تمسّ حياة الناس اليومية بشكل مباشر؛ من سعر الخبز، إلى القدرة على الادخار، وصولاً إلى الشعور بالأمان المالي. فكل ورقة نقدية يحملها المواطن اليوم باتت مرتبطة بسؤال أكبر: هل ما نملكه من مال آمن؟ وهل يمكن أن يفقد قيمته أو جدواه في أي لحظة؟
في هذا السياق الاجتماعي الضاغط، يعود ملف تبديل العملة إلى الواجهة، محاطاً بمخاوف مشروعة، لكن أيضاً بحجج اقتصادية ترى فيه خطوة ضرورية إذا أُحسن توقيتها وتنفيذها.
السيولة النقدية.. عبء على الناس
خلال السنوات الأخيرة، تضخمت الكتلة النقدية المتداولة بشكل كبير، دون أن يوازيها نمو حقيقي في الإنتاج أو الدخل.
هذا التضخم لم يبقَ رقماً في تقارير المصرف المركزي، بل تحوّل إلى ضغط معيشي مباشر، انعكس في ارتفاع الأسعار، وتآكل الأجور، وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
ويشير مختصون إلى أن جزءاً واسعاً من هذه السيولة بات خارج المنظومة المصرفية، إما مخزناً في المنازل بدافع الخوف، أو متداولاً في اقتصاد غير منظم، ما يجعل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة نقدية غير مستقرة.
أوراق نقدية متعبة.. وثقة أكثر إنهاكاً
لا يخفى على أحد واقع تهالك العملة الورقية المتداولة اليوم، وصعوبة استخدامها في التعاملات اليومية، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بالتزوير وضعف مواصفات الأمان، هذا الواقع لا يؤثر فقط على السوق، بل يضرب ثقة الناس بعملتهم الوطنية، ويعزز ثقافة الاكتناز أو البحث عن بدائل أكثر أماناً.
من هنا، يرى البعض أن تبديل العملة قد يشكّل فرصة لإعادة تنظيم التداول النقدي، وضبط السيولة، وتحسين مواصفات الأمان، لكن بشرط أن تكون الخطوة في خدمة المواطن لا على حسابه.
الخبير الاقتصادي وعضو جمعية المحللين الماليين الدكتور فراس حداد أوضح في تصريح لـ”الحرية” أن تبديل العملة بحد ذاته ليس حلاً سحرياً للأزمة الاقتصادية، لكنه قد يكون أداة مهمة إذا جاء ضمن حزمة إصلاح نقدي ومالي متكاملة، التوقيت الحالي قد يكون مناسباً من حيث الحاجة إلى ضبط الكتلة النقدية ومحاصرة الاقتصاد الموازي، لكن النجاح مرهون بالشفافية، ووضوح الآليات، وضمان عدم المساس بمدخرات المواطنين أو تحميلهم كلفة إضافية.
ويشدد حداد على أن البعد الاجتماعي يجب أن يكون في صلب أي قرار نقدي، عبر: حماية صغار المدّخرين، وتسهيل عمليات التبديل دون تعقيد، ومنح فترات زمنية كافية، وربط الإجراء بتحسين الدخل والإنتاج، لا زيادة الأعباء.
هاجس لا يمكن تجاهله
المواطن السوري يتعامل مع فكرة تبديل العملة بقلق مفهوم، نابع من تجارب سابقة ربطت أي إجراء نقدي بتغيّرات مفاجئة في الأسعار أو صعوبات في الوصول إلى الأموال، لذلك، فإن أي خطوة من هذا النوع من دون خطاب واضح وطمأنة حقيقية قد تعمّق فجوة الثقة بين الناس والمؤسسات النقدية.
قرار نقدي بوجه اجتماعي
الحاجة إلى تبديل العملة اليوم لا تنفصل عن الحاجة إلى استعادة الثقة، فالإجراء إن نُفّذ بمعزل عن إصلاحات اقتصادية واجتماعية أوسع، قد يتحول إلى عبء نفسي ومعيشي جديد، أما إذا جاء ضمن رؤية شاملة، تحمي الناس قبل الأرقام، فقد يشكل مدخلاً ضرورياً لإعادة ضبط المشهد النقدي والاقتصادي.