الحرية- لمى سليمان:
يشهد قطاع الشركات في سوريا مرحلة محورية بعد إطلاق مسار التحول الاقتصادي و السياسي، فلا يزال هذا القطاع يرزح تحت تراكمات ثقيلة أورثتها سياسات النظام البائد وما نتج عنها من دمار و انكماش اقتصادي و دمار في البنى التحتية، إضافة إلى خروج نسبة كبيرة من المنشآت الصناعية والتجارية من الخدمة خلال سنوات الحرب و هروب أعداد هائلة من الكفاءات الإدارية و المهنية، الأمر الذي أفضى إلى خلق فجوة خبراتية و إدارية وتقنية.
أضف على ما سبق، القوانين و التشريعات التي سُنت في عهد النظام البائد و التي وقفت في صف المستورد ضد التاجر والصناعي و المنتج، ناهيك بضعف بيئة التمويل المحلي الناتج عن محدودية قدرات البنوك و التعقيدات في إجراءات تسجيل الشركات و ترخيصها.
تواجه الشركات في هذه المرحلة العديد من التحديات التي تقف في وجه اندماجها في ركب التعافي الاقتصادي، يتحدث عنها الخبير الاقتصادي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي و تأسيس الشركات القابضة مهند الزنبركجي موضحاً الأولويات المتبعة في هذه الحالات لتجنب الأزمات.
يقول الزنبركجي في حديثه لـ”الحرية”: ما نواجهه اليوم ليس أزمة تقليدية بل اختبار بقاء حقيقي للشركات، فالشركات لم تعد تعمل ضمن سياق نمو اعتيادي، بل أصبحت تدير مرحلة حرجة تعيد تعريف أولوياتها الاستراتيجية حول الاستمرارية (Business Continuity) بدل التوسع.
ما نواجهه فعلياً يتجاوز مفهوم “الأزمة التقليدية، إنه اختبار استدامة ومرونة مؤسسية (Corporate Resilience Test).
وحسب الزنبركجي فإن أحد أكبر المخاطر في هذه المرحلة هو إدارة الواقع الحالي بعقلية تشغيلية تتناسب مع بيئة عمل مستقرة.
وحسب رؤية الزنبركجي وكتخطيط استراتيجي احترافي، يجب عدم التركيز اليوم على رفع الإيرادات (Revenue Maximization) أو هوامش الربحية (Profit Margins) بقدر ما يكون التركيز على الحفاظ على الاستدامة التشغيلية والمالية للشركة، من خلال الأولويات الاستراتيجية التالية:
1) السيولة كمحور رئيسي (Liquidity Optimization): الإيرادات المحاسبية للشركة لا تعكس القوة المالية ما لم تتحول إلى تدفقات نقدية حقيقية (Cash Flow).
لذا يجب إدارة وتحليل فترة الصمود النقدي (Cash Runway) بدقة، باعتبارها المؤشر الأهم للاستمرارية.
ثاني الأولويات هي مواءمة المبيعات مع القدرة التشغيلية (Operational Alignment): تحقيق مبيعات دون جاهزية تنفيذية يخلق مخاطر تشغيلية و سمعة سلبية.
فالقيمة الحقيقية تكمن في القدرة على التسليم المستدام (Sustainable Delivery Capability).
ثالث الأولويات كما يوضح الزنبركجي تكمن في تسريع اتخاذ القرار (Decision Agility): فالتكلفة الحقيقية لا تكمن في القرارات الخاطئة فقط، بل في تأخير اتخاذ القرار.
فالتردد الإداري يؤدي إلى تضخم الخسائر و تآكل الفرص.
أما رابع الأولويات فتكون في تفعيل مركز قيادة للأزمات (Crisis Command Center): إنشاء آلية تنسيق مركزية تضم: المالية، المبيعات، العمليات، والموارد البشرية.
التركيز يجب أن يكون على إدارة المخاطر الاستباقية (Proactive Risk Management) ضمن أفق زمني يتراوح بين 90–150 يوماً.
وتتضمن الأولوية الخامسة أولوية إدارة السيولة على التمويل الخارجي (Internal Liquidity over External Funding): في بيئات غير مستقرة، يصبح الوصول إلى التمويل محدوداً و غير مضمون.
لذلك، تمثل كفاءة إدارة الموارد الحالية (Resource Optimization) عنصر الحسم في البقاء.
وسادس الأولويات هي أولوية التركيز (Strategic Focus): التوسع في هذه المرحلة قد يؤدي إلى تشتيت الموارد.
والأولوية يجب أن تمنح للأنشطة الجوهرية (Core Business),
العملاء ذوي القيمة العالية (Key Accounts), مصادر التدفق النقدي المستقر (Stable Cash Streams).
ويتابع الزنبركجي متحدثاً عن سابع الأولويات وهي إدارة التحصيل بكفاءة (Receivables Management): فتسريع دورة التحصيل (Cash Conversion Cycle) يعزز السيولة و يطيل عمر الشركة التشغيلي.
فكل تدفق نقدي محقق يترجم مباشرة إلى مساحة زمنية إضافية لاتخاذ قرارات استراتيجية.
ويختم الزنبركجي قائلاً: في مثل هذه الظروف الاستثنائية عالية التقلبات و المخاطر، تعطى الأولوية إلى إدارة السيولة بكفاءة عالية، اتخاذ قرارات حاسمة في الوقت المناسب والحفاظ على استمرارية العمليات دون انقطاع.