الحرية- جواد ديوب:
تَحوّلنا، في عوالم الدراما، من البساطةِ والنصِّ الجيد المنسوج من حوارات وأحداث تجعلنا جزءاً من الحبكة؛ إلى مشاهد البذخ والرفاهيات و”اللوكيشنات” الفارهة والأزياء التي لا تشبه زماننا، وعمليات الماكياج الهوليوودية كأن الممثلين قادمون من كوكب «المتحوّلين /Transformers»، مع موسيقا خيالية ديجتاليّة لمجرد إضافة مؤثرات صوتية دون مراعاة التناسب مع بيئة العمل المحلّي أو عاطفية اللحظة الدرامية أو معنى الحوار الدائر وسياقه النفسي.
بهرجة وتزييف!
وتحوّلنا في الحياة، من السهرات الصادقة والبسيطة التي كنا نقيمها بما يستطيع كلُّ واحد من الأصدقاء، إلى شكلٍ جديدٍ من التقنّع برفاهيةٍ مخادعة مع صور زائفة “مفلترة” ومعادٌ تدويرها بالذكاء الاصطناعي في شكلٍ من “مباعدةٍ نفسية” كأننا بتنا في حربٍ حتى مع ذواتنا!
بل ربما لأننا –حقيقةً وواقعياً– نحن في حربٍ مع ذواتنا وغيرُ راضين عمّا فينا؛ صِرنا ننسحبُ نحو “مَكْيجةٍ” لكل شيء ولو بأرخص أنواع الماكياج الافتراضي: أي حسابٌ مزيف على الفيسبوك!
كما تحوّلنا في الموسيقا من الأغنية المشغولة بنكهة الشِّعر سواءٌ المحكيّ أو الفصحى والمقتبس من أمّهات القصائد والموشحات الأندلسية.. إلى أغانٍ تعتمدُ في قوامها على الإبهار وبهرجة الإكسسوارات ووجود فتيات الفيديو كليب المغناجات الدلوعات، حتى لو لم يكن هناك أي حاجة درامية أو ضرورة جمالية لوجودهنّ، بل من دون أي قيمة إبداعية أصيلة، كأنّ المخرجين باتوا يخشون أنَّ عدمَ وجود تلك “الكماليات التزيينية” (كدتُ أقول: التزييفيّة) سيجعل الأغنية أقلَّ من أنْ تُشاهَد ويُستمع إليها!
وفي واقع الحال هم محقّون في خوفهم، لأنهم يعلمون أساساً أنهم بنوا كل شيء على رمال الموضة المتحركة التي تبتلعنا جميعاً، فيما الزمنُ الدهريُّ يسخر منّا ذرّةً ذرّة ونحن نفقد عقولنا!
خجل الأجيال من التراث!
مرّةً فوجئت بمنظر صبايا مزدحماتٍ لشراء “جزمات بلاستيكية” باعتبارها أحدث صرعات عالم الأزياء، بعضُها منقوشٌ عليه فراشاتٌ بألوانٍ فوسفورية، وأخرى مُعرَّقَةٌ بزخارفَ نباتية.. ودُهِشتُ كيف صارت تلك “الجزمات” جزءاً مهماً من عالم الفتيات، تسبِقُهُن أقدامُهُن إلى لبسها والتغنّج بها كما فعلت إحدى نجمات الدراما.
وحين سألت مجموعة من الفتيات إن كنّ يعرفن أن جداتنا الفلاحات كنّ يلبسنها في سقاية الأرض قبلهن بمئة عام، دون استعراض أو سعيٍ للفتِ نظر أجدادنا الغارقين في ضباب سجائر التبغ البلدي، فابتسمت إحداهُن، بينما عبّرت الأخرى عن “امتعاضها” الصريح من هذه المعلومة كأنني شبّهتها بمخلوقاتٍ فضائية غريبة وليس بجدّاتنا!
وفكرتُ: لِمَ هذا التقليل من قيمة تقاليدنا وتراثنا السوري في اللباس رغم أنها كانت طريقة في الحياة وليست موضةً للتبختر؟
يبدو أن “موروثاتِنا” ستجعلُنا نخجلُ بها إذا لم نستحقها عن جدارة وبشجاعة أن نكون “متحررين” من الخوف من أن نُنعَتَ بـ”البسطاء”!
والتحرر هنا لا يعني أبداً الانجرار نحو موضة متعلقة بأزياء جديدة أو اللهاث خلف موضة الدراما المدبلجة الكورية أو التركية مثلاً أو صناعة النجمات من سيليكونٍ هلاميٍّ بطعم البيبسي كولا ومزاج الدمية “لابوبو” مثلاً.. فالماركات كما قال أحدُهم: “هي أكبرُ كذبةٍ تسويقيةٍ، اخترعها الأذكياء لسرقة مال الأغنياء.. فصدّقها الفقراء”!
“منقوشة” طلياني..
أعتقد أننا خسرنا الكثير من جماليات أرواحنا منذ استبدلنا منقوشات الزعتر البلدي؛ بالبيتزا الطلياني مع الأوريغانو، وشوربة العدس أو شوربة الحمّص؛ بحساء الدجاجة الباكية على طريقة إعلانات الأطعمة، ومنذُ باتَ بعضُ الشباب الحالي يتنمّر على أمهاتنا إذا ما طبخنَ “المجدّرة مع البصل الأخضر”؛ ناصحين إياهنّ باللحاق بقافلة “الكنتاكي فراي تشكِن/KFC” ، بل منذ استبدلنا أحاديثنا الحميميّة وجهاً لوجه حيث العيونُ تُفصِحُ عن مكنونات الوجدان؛ بأحاديث افتراضية إلكترونية لا نعرف فيها بالضبط إن كان محدِّثونا يبتسمون لأجلنا، أم يسخرون منّا، أم يضعون “اللايكات” مجاملةً.. أم يتلصّصونَ على حياتنا بدلاً من مشاركتنا إياها بصدق ومحبة وتعاطف!
*اللوحة للفنان التشكيلي السوري بسام جُبيلي