كيف يمكن تحويل أزمة السكن إلى فرصة تنمية شاملة؟

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – منال الشرع:

تُعد أزمة السكن في سوريا واحدة من أكثر التحديات إلحاحاً في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تفاقمت المشكلة التي كانت قائمة أصلاً بفعل الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية، ومع انطلاق مرحلة جديدة في تاريخ البلاد، يتجه الاهتمام نحو إيجاد حلول جذرية ومستدامة تضمن لكل مواطن سوري حقه في مسكن لائق.

ويبرز في هذا السياق صوت الخبراء، ومنهم الدكتور عبد الرحمن  تيشوري استشاري تدريب وتطوير وعضو جمعية العلوم الإقتصادية في تصريح  لـ”الحرية” الذي يقدم رؤية متكاملة لمعالجة هذا الملف الشائك، مؤكداً أن سوريا كانت وستبقى في قلب الأحداث، وأن شعبها الذي صبر طويلاً يستحق حلولاً سريعة وفعّالة لمشكلاته الأساسية.

ويشير تيشوري إلى أنه ومع بداية عهد التحرير، أصبح موقع سوريا في قلب العالم أكثر أهمية، هذا الشعب العظيم الذي أبدى صبراً كبيراً، يحتاج اليوم إلى حلول شاملة لمشكلاته المتراكمة، بدءاً من السكن، ومروراً بالأجور والنقل، وانتهاء بالتعليم والصحة، ويشيد بالتركيز على هذا الملف، مشدداً على ضرورة الأخذ بآراء الخبراء لتحقيق نتائج إيجابية وملموسة تقودإلى نهايات سعيدة

وحسب تيشوري، فإن هذا الملف يمكن حله وإغلاقه نهائياً خلال عام أو عامين على الأكثر، ويتطلب ذلك استنفاراً شاملاً من القطاع الخاص، وتفعيل شركات التطوير العقاري، وتجهيز التمويل اللازم من المصارف، كما يمكن الاستفادة من تجارب الدول المجاورة والصديقة مثل المملكة العربية السعودية، قطر، تركيا، أو حتى الصين التي تبرع في بناء مدن سكنية وفنادق شاهقة في وقت قياسي، ويشير إلى إمكانية محاكاة هذه الحلول السريعة وتكييفها لتكون ذات مصداقية وفعالية في السياق السوري.

ووفق تيشوري، فإن قطاع السكن والإسكان يعاني من مشكلة قديمة ومتجذرة في سوريا ففي السابق، ورغم وجود مؤسسات مثل الاتحاد التعاوني السكني والمؤسسة العامة للإسكان، ومشاريع متنوعة كالسكن العمالي والشبابي وسكن أساتذة الجامعات وسكن الادخار، فإنها لم تنجح في حل أزمة السكن بشكل كامل، ثم جاءت الحرب لتزيد الطين بلة، حيث تشير التقارير إلى تدمير أكثر من مليوني وحدة سكنية. ولهذا، أصبح ملف السكن اليوم من أهم الملفات التي تتطلب حلولاً عاجلة في الوقت الراهن.

ويضيف تيشوري إنه لا بد اليوم من استصدار تشريعات عقارية وتمويلية جديدة، تشبه القروض التي كان يمنحها المصرف العقاري سابقاً، مع ضرورة إشراك المصارف الخاصة في هذه المشاريع. فبدلاً من الاعتماد على مصرف واحد في كل محافظة، يجب فتح المجال أمام جميع بنوك التنمية والبنوك الخاصة، وحتى فروع المصارف العامة المنتشرة في الأرياف مثل المصرف الزراعي، لتلعب دوراً في التمويل العقاري.

كما يجب إيجاد حلول لموضوع الكفلاء والضمانات حتى لا تكون عائقاً أمام الاقتراض، ويقترح طرح وحدات سكنية صغيرة بمساحات تتراوح بين 70 و80 متراً، ودعوة المستثمرين العرب للمشاركة في تمويلها أو تنفيذها، مع مساهمة الحكومة بجزء من رأس المال، ومن الضروري أيضا إصدار تشريعات تمد فترات التقسيط إلى 30 عاماً، بحيث تكون الأقساط الشهرية في متناول المواطن، فلا يتجاوز القسط الشهري مبلغاً معقولاً كخمسمئة ألف ليرة سورية، بدلاً من الأقساط المرتفعة التي تفوق الرواتب الحالية.

ويشير تيشوري إلى أن الدولة يمكن أن تكون المنظم الرئيسي لهذه المسائل، عبر تقديم الأراضي لمشروعات السكن وتسهيل الاقتراض، ويجب أن تتوزع هذه المشاريع السكنية في كل أرجاء سوريا، في جميع المحافظات والمناطق، لتجنب التركز السكاني في دمشق وحلب كما كان يحدث سابقا. فعندما يتم توفير الخدمات الأساسية والسكن في كل المدن والأرياف، من طرطوس ودريكيش إلى دير الزور والميادين والقامشلي، فإننا نؤسس لخطة تنمية إقليمية شاملة. ويرى أن هذا الحل يمكن تحقيقه عبر التكافل الاجتماعي والاقتصادي بين الحكومة والقطاع الخاص والأصدقاء العرب، وربما بتمويل من منظمات دولية، خاصة مع عودة سوريا إلى الخريطة العالمية ، ما سينعكس إيجاباً على حل الأزمات الاقتصادية.

ويرى الدكتور تيشوري أن قضية السكن الاقتصادي وتأمين مستلزماته الأساسية يجب أن تحتل قمة أولويات الحكومة فما زال هناك سوريون يعانون في المخيمات من البرد والفيضانات، ما يجعل حلم امتلاك منزل لائق صحياً ومخدماً هو الحلم الذي يجمع كل السوريين، وقد أصبح هذا الموضوع حديث الشارع اليوم، حيث لا يمل الخبراء الاقتصاديون من تقديم آرائهم. فأسعار المساكن الحالية تفوق طاقة المواطن السوري الذي يعجز حتى عن دفع الإيجار. لذا، يجب توجيه رؤوس أموال ضخمة لهذا القطاع ذي الربحية العالية. ويقترح ، عقد مؤتمر للاستثمار العقاري، ووضع رؤية حكومية جديدة لقطاع الإسكان تمتد حتى عام 2040 أو 2050، تهدف إلى توفير حلول لأصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين والشباب المقبلين على الزواج.

هذه الرؤية الاجتماعية ستعزز العقد الاجتماعي وخاصة مع تزايد عدد سكان سوريا بمعدل 3% سنوياً، وهي من أعلى النسب في الوطن العربي.

فإن خلاصة القول، بوجهة نظر تيشوري تكمن في ضرورة التركيز على خلق مجتمعات عمرانية متكاملة الخدمات والمرافق، من خلال إنشاء ضواحي سكنية في كل المدن والمحافظات والأرياف، ويمكن لصندوق الدين العام أن يسهم في التمويل، مع إعادة إطلاق هذه المشاريع بكثافة حتى يتمكن السوريون من اقتناء منزل والعيش بكرامة في بلدهم بعد معاناتهم الطويلة خلال الخمسة عشر عاماً الماضية وبناءً على مشاركاته في دراسات ومؤتمرات عديدة، فإن قطاع الإسكان في سوريا يواجه تحديات بنيوية كبيرة. أولاً، غياب قواعد بيانات متكاملة أو “بنك معلومات إسكاني”. ثانياً، لم ترتبط سياسات الإسكان سابقاً بعملية تخطيط إقليمي شامل. ثالثاً، كثرة التشريعات التي تحكم القطاع، ما يستدعي توحيدها في قانون واحد وواضح. يضاف إلى ذلك عدم تناسب العرض مع الطلب، وضعف آليات التمويل وارتفاع أسعار الفائدة، وانتشار مناطق السكن العشوائي، وارتفاع تكاليف الحصول على مسكن. وأخيرا، تخلف تقنيات البناء المستخدمة، ما يستلزم محاكاة التجارب العالمية الحديثة في هذا المجال.

Leave a Comment
آخر الأخبار