الحرية – هناء غانم:
مقترحات عديدة تقدم بها الخبير الاقتصادي د.عبد المعين مفتاح تتعلق بمعالجة ملف زيادة أسعار الكهرباء، موضحاً قي حديثه لـ “الحرية ” أن قرار رفع أسعار الكهرباء، يجب أن يبدأ بحزمة إجراءات واضحة تضمن العدالة الاجتماعية وتخفف العبء عن المواطنين، قبل النظر إليها كأداة مالية لخفض العجز، مشيراً الى أنه في الوقت الذي تشهد فيه سوريا تحديات اقتصادية كبيرة على مختلف الصعد، يأتي قرار رفع أسعار الكهرباء ليشكل أحد أبرز القضايا التي تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين.
وفي ظل الأزمات المالية المستمرة، وانخفاض القدرة الشرائية، تبدو الزيادة في أسعار الكهرباء خطوة محورية ضمن سياق إصلاحات القطاع، إلا أن توقيتها وآلية تنفيذها أثارت الكثير من الجدل.
وحسب د. مفتاح فإن أبرز المقترحات هي اعتماد التسعير التصاعدي الذكي للكهرباء، بحيث تُدعم الشرائح المنزلية ذات الاستهلاك المنخفض بشكل كبير، في حين يتم تحميل الشرائح التجارية والصناعية ذات الاستهلاك المرتفع الجزء الأكبر من الزيادة، كما أنه يمثل خطوة هامة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الأعباء المالية، فبالنسبة للمواطن العادي، ستكون الزيادة أقل تأثيرًا طالما أن الاستهلاك المنزلي يُدعم بشكل كبير.
ومن ناحية أخرى، فإن تحميل الشرائح التجارية والصناعية أكبر حصة من الزيادة يتماشى مع منطق العدالة الاقتصادية، حيث أن هذه القطاعات قادرة على تحمل الزيادة بالنظر إلى قدرتها المالية وحجم استهلاكها الكبير للطاقة، لكن من جانب آخر، يجب أن يتم تحديد آلية دقيقة لقياس الاستهلاك، خاصة في القطاع الصناعي والتجاري الذي قد يسعى للتحايل على هذه التسعيرة.
تثبيت سعر الصرف
الخبير الاقتصادي يشدد على أهمية تثبيت سعر الصرف خلال فترة الإصلاحات، كون التقلبات في سعر الصرف قد تؤدي إلى اختلال العدالة في التعرفة الجديدة، وهذا المقترح يعكس الوعي العميق بعلاقة الكهرباء بالاقتصاد الكلي، حيث أن تقلبات سعر الصرف تؤثر بشكل مباشر على تكلفة الطاقة، خصوصًا أن الكثير من مكونات البنية التحتية للكهرباء تعتمد على الاستيراد بالعملات الأجنبية، وإن تثبيت سعر الصرف يمكن أن يحمي الفئات الضعيفة من التقلبات الحادة التي تؤثر في ميزانياتهم، ولكن هذا يتطلب من الحكومة أيضًا تعزيز الاستقرار الاقتصادي على مستوى أكبر، وهو أمر صعب في ظل الأوضاع الراهنة.
خفض أسعار المحروقات
وضمن الحزمة الاقتصادية التي يقترحها د. مفتاح، فإن خفض أسعار المحروقات يجب أن يكون جزءًا من الإصلاحات التي ترافق زيادة أسعار الكهرباء، وذلك لأن المواطن السوري يعتمد على المحروقات بشكل أساسي في التدفئة والطهو والتنقل، معتبراً أن ربط ملف الكهرباء بملف المحروقات يبدو خطوة منطقية لتقليل الأعباء على المواطن، إذا كانت الطاقة بشكل عام، سواء من الكهرباء أو المحروقات، تشكل جزءًا كبيرًا من نفقات الأسر السورية، فإن تحقيق التوازن بينهما يمكن أن يخفف من وطأة الإصلاحات، ومع ذلك فإن تخفيض أسعار المحروقات يتطلب موارد مالية كبيرة من الدولة، وهو أمر قد يكون صعبًا في ظل العجز المالي الكبير.
ربط فاتورة الكهرباء بمستوى الدخل
أحد الحلول التي يشدد عليها الخبير الاقتصادي هي ربط فاتورة الكهرباء بمستوى الدخل بحيث لا تتجاوز 5% من متوسط دخل الفرد، موضحاً أن هذا المقترح يعكس مفهوم العدالة الاقتصادية حيث يتم تحديد التكلفة بناءً على القدرة المالية للمواطن، فمن غير العادل تحميل المواطنين الذين يعانون من انخفاض الدخول أعباء غير متناسبة مع قدرتهم المالية، لكن تطبيق هذا المقترح يتطلب بيانات دقيقة حول مستوى الدخل في المجتمع، وهو أمر صعب في الظروف الحالية حيث توجد فوارق كبيرة في مستويات الدخل، ويمكن أن يتطلب أيضًا آليات بيروقراطية معقدة لقياس دخل الأفراد.
التحديات الاقتصادية في سوريا:
على الرغم من أن رفع أسعار الكهرباء قد يكون خطوة ضرورية لإصلاح القطاع العام وتحقيق التوازن المالي، إلا أن تنفيذ هذه الزيادة في السياق السوري يواجه العديد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
أولًا، القدرة الشرائية المتدنية للمواطن السوري تعني أن أي زيادة في أسعار الكهرباء ستؤثر بشكل كبير على حياته اليومية، خاصة في ظل ركود اقتصادي مستمر وارتفاع معدلات الفقر.
ثانيًا، عدم استقرار سعر الصرف يزيد من تعقيد الأمور، حيث أن زيادة الأسعار دون ضمان استقرار العملة المحلية يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الأزمة.
أخيرًا، فإن عدم وجود شبكة أمان اجتماعي قوية يجعل من الصعب تعويض الأضرار التي قد تلحق بالفئات الضعيفة نتيجة الزيادة في الأسعار،و من هنا تظهر أهمية تطبيق خطة تدريجية على مدى عدة أشهر لمراقبة الأثر الاجتماعي والاقتصادي لهذه الإصلاحات.
وخلص مفتاح حديثه بالقول: إن زيادة أسعار الكهرباء في سوريا تعتبر خطوة إصلاحية هامة، قد تكون ضرورية لتخفيف العجز المالي، لكنها لا بد من أن تُنفذ بحذر شديد، مع الأخذ بعين الاعتبار القدرة الاقتصادية للمواطنين، وضرورة وجود شبكة أمان اجتماعي فعالة لذلك نجد أن مقترحات د.مفتاح تقدم إطارًا منطقيًا لموازنة الأبعاد المالية والاجتماعية للإصلاح، إلا أن تنفيذها يحتاج إلى بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا واستعدادًا لامتصاص الصدمات، لأن الزيادة في الأسعار ليست المعضلة بحد ذاتها، بل في كيفية تخفيف العبء عن المواطن السوري في هذه الظروف الصعبة، وبهذه المقاربة فقط، يمكن أن تتحول زيادة أسعار الكهرباء من عبء اجتماعي إلى إصلاح اقتصادي مدروس، يحمي المواطن ويحفظ ما تبقى من الثقة العامة.