تقاليد شعبية تكافح لأجل البقاء.. الظروف المعيشية تفرض نفسها على طقوس رمضان

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – عمار الصبح:

فرضت الظروف المعيشية الصعبة نفسها على الكثير من الطقوس الرمضانية، حتى وصلت إلى العديد من التقاليد الشعبية المتوارثة، والتي تحمل في طياتها معاني الألفة وصلة الأرحام والتكافل الاجتماعي وغيرها من الالتزامات الاجتماعية، التي تكافح للاستمرار ولو في حدودها الدنيا، في ظل ما باتت تتطلبه هذه العادات من التزامات مادية باتت مرهقة للكثيرين.

صلة الأرحام

وتأتي صلة الأرحام في قائمة العادات الواجبة في الشهر الفضيل، فعلاوة على كونها شعيرة دينية واجبة وموروثاً اجتماعياً موجوداً أصلاً، تكتسي صلة الأرحام في رمضان طابعاً ذا قدسية أكثر، لكنه وبالرغم من قدسية هذا الواجب إلا أن الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع الأسعار القياسي ضيق الخناق على هذا الواجب.

وحسب رأي بعض أهالي محافظة درعا الذين التقتهم “الحرية”، فإن تأثيرات الارتفاع القياسي للأسعار وضعف القدرة الشرائية، طالت كثيراً من الطقوس والعادات الرمضانية، والتي تعد واجباً دينياً واجتماعياً خلال الشهر الفضيل وفي مقدمتها صلة الأقارب والأرحام، الذين تشكل صلتهن من قبل الآباء والأخوة بل والأعمام والأخوال أنموذجاً في التواصل والبر.

ويؤكد عبد الرزاق المنصور، أن الظروف الحالية حالت دون قدرة الكثيرين على الوفاء بهذا الواجب على الوجه الأكمل، وإنما اقتصاره على الحدود الدنيا، وتقليص ما كان متبعاً في مواسم سابقة، سواء أكان هذه الصلة تتعلق بتوزيع مساعدات مادية أو وجبات للإفطار أو ولائم تخصص للأقارب، وهي عادات ظلت طقساً بطعم الألفة والمودة لا يكتمل الشهر من دونه.

وتختلف أشكال صلة الرحم في الشهر الفضيل  من شخص لآخر وذلك باختلاف الحالة المادية، وحسبما تقول الخبيرة الاجتماعية رحاب المصطفى، فإن كثيرين من أصحاب الدخل المحدود وخصوصاً فئة الموظفين، باتوا يكتفون بدعوة الأخوات للإفطار مرة واحدة في الشهر وعلى مآدب متواضعة، وذلك من باب الالتزام بهذا الطقس الذي يعد واجباً، وأيضاً من باب الحرص على عدم تركه مهما كلف الأمر حتى لو اضطر البعض للاستدانة للوفاء به.

وتلفت إلى أن الأمر يبدو مختلفاً لدى فئة أخرى من الميسورين مادياً، والتي ما زالت تحرص على الالتزام بهذا الواجب على الوجه الأكمل وتوزيع دائرته عبر أشكال متعددة من البذل، كالمساعدات المالية وولائم الإفطار والوجبات التي تقدم بشكل شبه يومي، خصوصاً إذا كان الأب أو الأخ مقتدراً، فعندها يجب أن يكون البذل مضاعفاً بل يسمو لدرجة الواجب في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة التي تفرض أشكالاً مضاعفة من التكامل الاجتماعي.

سكبة الجيران تحضر على استحياء

وتعد “سكبة” الجار من العادات الشعبية المتوارثة خلال الشهر المبارك، والتي تدل على التكافل الاجتماعي والإحسان إلى الجار، حيث اعتاد الجيران تبادل الأطباق الرمضانية التي يتم إعدادها، وهي من العادات المحببة ولها دلالات اجتماعية عميقة وخصوصاً أن من الجيران من هم من أصحاب الدخل المحدود.

يقول محمد الزعبي موظف متقاعد، إن هذا الموروث الاجتماعي كان يعد فيما مضى طقساً يومياً بين جيران الحي الواحد، وكل حسب مقدرته، لافتاً إلى أن “السكبة” تقدم عادة قبيل الإفطار بدقائق، ويتولى الصغار مهمة نقل الأطباق المليئة بمختلف أنواع الطعام والحلويات إلى الجيران.

ويستدرك الزعبي بالقول: “إن هذا الطقس الرمضاني المحبب ورغم أنه ما زال موجوداً، إلا أن حضوره بات خجولاً بعض الشيء، إذ حدّت الظروف المعيشية وعدم قدرة البعض على إعداد وجبات بكميات أكبر فائضة عن الحاجة، من قدرة كثير من الأسر على القيام بهذا التقليد الرمضاني” .

سهرات رمضانية بنطاق محدود

وتتجاوز العادات التي طالها بعض التغيير، تلك المتعلقة بالطقوس الرمضانية المتعلقة بالطعام، إذ وصلت التأثيرات إلى السهرات الرمضانية أو ما يطلق عليه “التعليلة” ولمة الأصدقاء، والتي تراجعت بعض الشيء وكادت تخلو من مستلزماتها الرئيسية كأطباق الحلويات الرمضانية التي تشتهر بها المحافظة والتي تتصدرها القطايف والكنافة “عقال الشايب”، وما جادت ربات المنزل بتحضيره من عصائر وأطباق حلويات محلية الصنع.

وحسب تأكيد كثيرين فإن تبادل الزيارات بعد أداء صلاة التراويح والأمسيات الرمضانية هي من الظواهر التي خفت مشاهدتها في وقتنا الحالي، واقتصرت عند البعض على زيارة كبار السن والمرضى والأرحام فقط، إذ لا يجد كثيرون متسعاً من الوقت ومن السعة المادية لتأدية هذا الطقس الرمضاني، الذي بات يحتاج هو الآخر إلى تكاليف لا قدرة للكثيرين على الوفاء بها، إلا من تسمح لهم ظروفهم الاقتصادية، في ظل ما باتت تتطلبه هذه العادات من التزامات مادية مرهقة للبعض.

Leave a Comment
آخر الأخبار