الحرية- سراب علي:
في زحمة الأصناف المستوردة من مختلف أنحاء العالم والتي تعج فيها الأسواق السورية، قد يعتقد البعض أن هذا التنوع من البضائع يعكس صحة الاقتصاد وقوته، لكن الخبراء يؤكدون أن قوة الاقتصاد الحقيقية تقاس بمقدار ما تنتجه الدولة من سلع وخدمات، وليس بحجم ما تستورده من الخارج، فما هي المؤشرات الحقيقية التي تعكس قوة ونجاح اقتصاد أي دولة؟ ولماذا تعتبر زيادة الأصناف المستوردة مقياساً مضللاً؟ وكيف ترتبط زيادة الإنتاج المحلي بانخفاض البطالة؟
المؤشرات الحقيقية لقوة الاقتصاد
أستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حلب الدكتور حسن حزوري أكد في تصريحه لـ”الحرية” أن قوة الاقتصاد لا تقاس بكمية السلع المستوردة في الأسواق بل بقدرة الدولة على الإنتاج والتشغيل وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وأشار إلى أن تقييم قوة الاقتصاد يعتمد على مجموعة من المؤشرات الموضوعية التي يرصدها خبراء الاقتصاد، وأهمها:
أولاً: الناتج المحلي الإجمالي، إذ يعد الناتج المحلي الإجمالي (GDP) المؤشر الأبرز لأنه يقيس إجمالي قيمة السلع والخدمات التي ينتجها الاقتصاد المحلي خلال عام، وارتفاع هذا المؤشر يعكس نشاطاً اقتصادياً حقيقياً وتنامياً في القدرة الإنتاجية للدولة.
ثانياً: معدل البطالة، يكشف هذا المؤشر نسبة القوى العاملة القادرة على العمل والتي لاتجد فرصاً وظيفية. وانخفاض هذه النسبة يعني أن الاقتصاد قادر على استيعاب الأيدي العاملة وتوفير فرص عمل منتجة.
ثالثاً: الإنتاج المحلي (الصناعي والزراعي) إذ إن ارتفاع الإنتاج المحلي في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات يدل على اعتماد الدولة على قدراتها الذاتية في تلبية احتياجاتها، بل يمهد الطريق للتصدير إلى الأسواق الخارجية.
رابعاً: الميزان التجاري: يعبر عن الفرق بين قيمة الصادرات والواردات فعندما تتجاوز الصادرات الواردات أو تتوازن معها، يكون ذلك مؤشراً على اقتصاد منتج وقادر على المنافسة العالمية.
خامساً: مستوى الدخل الفردي: يقيس نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ويعكس مستوى معيشة السكان، فارتفاعه يعني أن النمو الاقتصادي ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين اليومية.
سادساً: الاستقرار المالي والنقدي: يشمل مؤشرات كمعدل التضخم واستقرار العملة ومستوى الديون العامة، فالاقتصاد القوي يحافظ على استقرار الأسعار وقيمة العملة المحلية.
د.حزوري: كثرة الاستيراد دون زيادة التصدير يؤدي إلى خلل في الميزان التجاري
تخلق انطباعاً زائفاً
كما يرى الدكتور حزوري أن وفرة المنتجات المستوردة في الأسواق قد تخلق انطباعاً زائفاً بالازدهار، لكنها لا تعكس بالضرورة قوة الاقتصاد لعدة أسباب منها، الاستيراد يعني خروج الأموال إلى الخارج، فالدولة تدفع عملة صعبة لشراء السلع بدلاً من إنتاجها محلياً.
وكذلك إضعاف الإنتاج المحلي، فإذا امتلأت الأسواق بالسلع الأجنبية قد تتراجع قدرة المصانع المحلية على المنافسة، بالإضافة زيادة العجز التجاري إذ إن كثرة الاستيراد دون زيادة التصدير تؤدي إلى خلل في الميزان التجاري، أضف إلى ذلك أن الاقتصاد استهلاكي وليس إنتاجياً، فالاقتصاد القوي يقوم على الإنتاج والتصدير، لا على الاستهلاك فقط .
انخفاض البطالة وزيادة الإنتا
يشرح الدكتور حزوري العلاقة بين الإنتاج والتشغيل باعتبارها علاقة طردية وتكاملية، قائلاً: العلاقة بين زيادة الإنتاج المحلي وانخفاض البطالة هي علاقة مباشرة وواضحة، فزيادة الإنتاج تحتاج حتماً إلى مزيد من الأيدي العاملة، فعندما تنشأ مصانع جديدة أو تتوسع المشاريع الزراعية والخدمية، يزداد الطلب على العمال بشكل طبيعي.
ويضيف أستاذ الاقتصاد إن المشاريع الإنتاجية تلعب دوراً محورياً في استيعاب الشباب وخفض أعداد العاطلين عن العمل، ما يؤدي إلى ارتفاع الدخل وتحسن القدرة الشرائية للمواطنين، وهذا بدوره ينشط الاستهلاك الداخلي ويعيد تنشيط الدورة الاقتصادية ككل، فزيادة الدخل تؤدي إلى زيادة الطلب، ما يدفع الشركات إلى زيادة الإنتاج مرة أخرى في دورة إيجابية متصاعدة.
انعكاسات على قوة الاقتصاد
ويخلص الدكتور حزوري إلى أن زيادة الإنتاج وانخفاض معدل البطالة ينعكسان إيجاباً على الاقتصاد من خلال عدة مؤشرات منها ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، زيادة الإيرادات الضريبية للدولة، تحسن مستوى معيشة السكان، تعزيز القدرة على التصدير والمنافسة العالمية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن كل هذه العوامل مجتمعة تجعل الاقتصاد أكثر استقراراً واستقلالاً وقوة.
وأكد حزوري في ختام حديثه أن الاقتصاد القوي هو الاقتصاد المنتج الذي يوفر فرص عمل لمواطنيه، ويحقق توازناً في تجارته الخارجية، أما وفرة السلع المستوردة في الأسواق، فتبقى مجرد مظهراً مؤقتاً للرفاه لكنها لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد صحي أوقوي.