هيكلة الاقتصاد الوطني.. توحيد السجلات التجارية السورية طريق نحو الشفافية والضبط الإداري

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – باسمة اسماعيل:

تتبنى وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية استراتيجية جديدة تهدف إلى ردم الفجوات التنظيمية التي سادت بيئة الأعمال السورية لسنوات، وذلك عبر إصدار تعميم لتوحيد آلية العمل في دوائر الشركات وأمانات السجل التجاري بكافة المحافظات، في خطوة وصفت بأنها “المعيارية” الأولى لضبط الفوضى الإجرائية.

إصلاح بيئة الأعمال

وفي قراءة تحليلية لهذا التحول، بيّن الدكتور علي عيسى، دكتوراه في العلوم الاقتصادية ومدير الجامعة الأوروبية في بريطانيا (بنظام العمل عن بعد)، لـ”الحرية” أنه: يمكن مقاربة هذا التعميم ضمن سياق إصلاح بيئة الأعمال في سوريا، بوصفه محاولة إدارية- تنظيمية لمعالجة اختلالات تراكمت خلال سنوات طويلة من التباين في تطبيق القوانين والأنظمة بين المحافظات.

الواقع قبل القرار

وأوضح أن آلية العمل السابقة كانت تتسم بعدم التجانس في تفسير النصوص القانونية أو في الإجراءات التطبيقية، ما خلق بيئة أعمال غير مستقرة للمستثمرين، حيث كان المستثمر أو التاجر يواجه متطلبات مختلفة بحسب المحافظة أو حتى الدائرة المعنية، كما ساد قدر من “المرونة غير المنضبطة” في تسجيل الأنشطة، ما سمح بإدراج طيف واسع وغير متجانس من الأنشطة ضمن سجل واحد، الأمر الذي أضعف دقة التصنيف الاقتصادي وأثر سلباً على جودة البيانات الإحصائية والرقابية.

جوهر التعميم

يتمثل لب التعميم في فرض قيود تنظيمية تنهي عصر العبارات الفضفاضة مثل “الدخول في المناقصات”، وحول هذا التحول يقول الدكتور علي: يتمثل جوهر التعميم في توحيد آلية تسجيل وتصنيف الأنشطة الاقتصادية وفق دليل وطني موحد (SYRSIC)، مع وضع قيود تنظيمية واضحة، أبرزها: تحديد سقف لعدد الأنشطة (خمسة كحد أقصى)، اشتراط تجانسها النسبي، إلزامية تحديد طبيعة الاستيراد والتصدير بدقة، ومنع العبارات العامة غير المنضبطة، كما يفرض إعادة مواءمة السجلات القائمة مع التصنيف الجديد عند أي تعديل لاحق، ما يعني انتقالاً تدريجياً نحو قاعدة بيانات اقتصادية أكثر انضباطاً.

تقليص “الاجتهاد الشخصي” ومكافحة الفساد

ويرى أن الآثار الإدارية والتجارية لهذا التعميم، يكشف أنه ليس مجرد إجراء تنظيمي تقني، بل يحمل أبعاداً مهمة كإعادة هيكلة فعلية لسلوك الدولة الاقتصادي وعلاقة الإدارة بالقطاع الخاص، فالأثر الإداري يتجاوز التنظيم التقني إلى ” تقييس الإجراءات” (Standardization)، موضحاً أن هذا التحول سيؤدي إلى تقليص التباين المؤسسي بين المحافظات، والحد من ظاهرة (الاجتهاد الإداري) التي كانت تؤدي إلى تفاوت المعاملة، كما سيضعف بعض أنماط النفوذ غير الرسمي، ما قد يساهم نظرياً في تقليص فرص الفساد الصغير (petty corruption) المرتبط بتسجيل الأنشطة، وأيضاً اعتماد التصنيف الصناعي الموحد سيؤدي إلى إعادة بناء قاعدة البيانات الاقتصادية للدولة على أساس أكثر دقة، ما يعزز قدرة الوزارات على التخطيط القطاعي وتوجيه الدعم أو القيود وفق معطيات واقعية.
ومع ذلك، لم يغفل الدكتور علي التحديات، مشيراً إلى أن هذا التغيير سيخلق عبئاً انتقالياً على الإدارة، يتمثل في الحاجة لإعادة تأهيل الكوادر لفهم التصنيف الجديد، واحتمالية حدوث تباطؤ مؤقت في إنجاز المعاملات، ظهور إشكالية تفسيرية في تصنيف الأنشطة المركبة أو الهجينة.

التخصص بدلاً من التشتت

وبيٌن أن التأثير الأهم هو الأثر التجاري، كونه يتعلق بإعادة صياغة هوية المنشآت الاقتصادية على مستوى القطاع الخاص، حيث سيجبر التعميم الشركات على “التخصص” بدلاً من “التشتت”، شارحاً ذلك بقوله: فرض سقف (خمسة أنشطة) مع شرط التجانس سيدفع الشركات إلى إعادة هيكلة محافظ أنشطتها، وقد يؤدي إلى فصل بعض الأنشطة ضمن كيانات مستقلة أو التخلي عن الأنشطة الهامشية، هذا التحول قد يعزز التخصص الاقتصادي، وهو إيجابي من حيث الكفاءة، لكنه في بيئة غير مستقرة كالسوق السورية قد يضعف قدرة الشركات على التكيّف عبر التنويع.

الاستشراف المستقبلي: بين “الرقمنة” والبيروقراطية الإضافية

وحذر الدكتور علي من بقاء القرار كإجراء معزول، مؤكداً أن نجاحه مرهون بالربط الإلكتروني الشامل، لافتاً إلى أن التعميم يعكس انتقالاً من نموذج “المرونة غير المنضبطة” إلى “الانضباط التنظيمي”، لكنه يضع الإدارة والقطاع الخاص أمام اختبار حقيقي: إما التكيّف المؤسسي الذي يقود إلى بيئة أعمال أكثر نضجاً، أو نشوء فجوة جديدة بين النص التنظيمي والممارسة الفعلية.
ويختم قائلاً: إن التعميم يمثل خطوة إصلاحية ذات بعد مؤسسي مهم، لكنه ليس كافياً بحد ذاته، فعاليته تعتمد على جودة التنفيذ، والتكامل مع إصلاحات أوسع تشمل الرقمية، تبسيط الإجراءات، وتعزيز الحكومة الإدارية.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار