الحرية – نهلة أبو تك:
ليست كل الضربات عسكرية مباشرة، بعضها يمر عبر خطوط الإمداد.
عندما أعلنت قطر للطاقة وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد استهداف مرافقها في رأس لفان الصناعية ومسيعيد، لم يكن الأمر مجرد بيان تقني عابر، بل لحظة أعادت رسم خريطة المخاطر في أسواق الطاقة العالمية، ودفعت المتعاملين إلى إعادة حساباتهم خلال ساعات.
الخبير الاقتصادي سامر رحال يؤكد أن توقف إنتاج الغاز في قطر، حتى لو كان مؤقتاً، يمثل صدمة حقيقية للأسواق، لأن الدوحة ليست مورداً عادياً بل لاعب محوري في تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. فقطر تضخ نحو 77 مليون طن سنوياً، أي ما يقارب خمس تجارة الغاز المسال في العالم، ومعظم هذه الكميات تنطلق من مرافئ رأس لفان بعقود طويلة الأجل مع آسيا وأوروبا.
الأسواق تعيد تسعير المخاطر
ويوضح رحال أن ردّة فعل الأسواق جاءت فورية. عقود الغاز الأوروبية، ولا سيما مؤشر TTF، قفزت بنسب قاربت 50% في أولى الجلسات، في واحدة من أسرع موجات الصعود منذ سنوات. كما رفعت شركات الشحن تكاليف نقل الغاز المسال بين 20 و30% نتيجة ارتفاع أقساط التأمين والمخاطر الجيوسياسية في الخليج.
التأثير لم يتوقف عند الغاز فقط، إذ امتد إلى النفط الذي سجل ارتفاعات فورية بين 5 و8%، لأن أي اضطراب في منطقة الخليج يُقرأ باعتباره تهديداً لسلسلة الطاقة بأكملها. ويشير رحال إلى أن أسواق الطاقة العالمية لا تنتظر وضوح الصورة، بل تسعّر أسوأ السيناريوهات بمجرد اهتزاز الثقة.
المعادلة هنا نفسية بقدر ما هي رقمية. فحين يتعطل مورد بحجم قطر، ترتفع “علاوة المخاطر” فوراً، حتى قبل احتساب حجم النقص الفعلي في الإمدادات.
أوروبا أمام اختبار جديد
بالنسبة لأوروبا، التي استوردت العام الماضي قرابة 120 مليار متر مكعب من الغاز المسال، تمثل الإمدادات القطرية ما بين 12 و15% من وارداتها من هذا النوع من الوقود. صحيح أن المخزونات الأوروبية تتجاوز حالياً نصف السعة التخزينية، وأن الولايات المتحدة أصبحت المورد الأول للغاز المسال إلى القارة بحصة تفوق 40%، لكن ذلك لا يلغي حساسية التوازن القائم.
ويرى رحال أن استمرار توقف إنتاج الغاز في قطر لأسابيع قد يعيد الضغط على أسعار الكهرباء والصناعة الأوروبية، وربما يضيف نحو نصف نقطة مئوية إلى معدلات التضخم إذا طال أمد الأزمة. فالمشكلة لا تكمن في توفر الشحنات الحالية فقط، بل في كلفة التعويض عبر السوق الفورية، حيث تكون الأسعار أعلى وأكثر تقلباً.
الصناعة الأوروبية تحديداً تبدو الحلقة الأكثر تأثراً، لأن الغاز الطبيعي المسال ليس مجرد وقود للتدفئة، بل مدخل إنتاج رئيسي في قطاعات البتروكيماويات والأسمدة والمعادن. وأي ارتفاع حاد في أسعار الغاز العالمية ينعكس مباشرة على تنافسية هذه القطاعات.
آسيا أيضاً في دائرة التأثير
ويؤكد رحال أن التأثير لن يقتصر على أوروبا، بل سيمتد بقوة إلى آسيا، التي تُعد المستورد الأكبر للغاز القطري، ولا سيما اليابان وكوريا الجنوبية والصين. ويوضح أن العقود الآسيوية طويلة الأجل قد تخفف الصدمة الفورية، لكنها لن تمنعها بالكامل، لأن أي تمديد لفترة التوقف سيدفع المشترين إلى السوق الفورية بأسعار أعلى، ما يعزز موجة الارتفاع عالمياً.
في سوق مترابطة بهذا الشكل، لا توجد فجوات معزولة. كل شحنة تتحول من مسار إلى آخر تعني إعادة توزيع للضغط السعري على مستوى العالم.
ماذا عن الاقتصاد القطري؟
تشكل صادرات الطاقة أكثر من 60% من إيرادات الدولة القطرية. وتشير تقديرات أولية إلى أن توقفاً كاملاً لمدة شهر قد يعني خسائر تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار وفق متوسطات الأسعار الحالية.
غير أن رحال يلفت إلى أن قطر تمتلك قدرة امتصاص مرتفعة للصدمات قصيرة الأجل، بفضل صندوقها السيادي الذي تتجاوز أصوله 450 مليار دولار. إلا أن التحدي، بحسب تقديره، لا يقتصر على الخسارة المالية المباشرة، بل يرتبط بمدى تأثير الحدث على صورة الاستقرار طويل الأمد للإمدادات القطرية في الأسواق العالمية.
بين استعادة الإنتاج واستعادة الثقة
ويشدد رحال على أن الفارق الجوهري لا يكمن فقط في عودة الضخ، بل في عودة اليقين. فأسواق الطاقة العالمية تتحرك وفق التوقعات بقدر تحركها وفق الأرقام. وإذا عادت العمليات سريعاً في رأس لفان ومسيعيد، قد تنحسر القفزة السعرية ضمن نطاق المضاربة المؤقتة. أما إذا طال أمد التوقف، فقد تدخل أسعار الغاز العالمية موجة صعود جديدة تعيد مشهد الضغوط التضخمية والصناعية التي شهدها العالم في أزمات سابقة.
ويختم بالقول إن توقف إنتاج الغاز في قطر كشف هشاشة التوازن الدقيق الذي تقوم عليه منظومة الطاقة العالمية. فعندما يهتز أحد أكبر موردي الغاز الطبيعي المسال، لا ترتفع الأسعار فقط، بل ترتفع معها تكلفة اليقين الاقتصادي.
وفي عالم مترابط إلى هذا الحد، فإن اضطراباً في مرفأ واحد قد يتردد صداه في مصانع بعيدة، وشبكات كهرباء، وفواتير طاقة تتحملها الحكومات والمستهلكون معاً.
اليوم، لا تراقب الأسواق حجم الإنتاج فحسب، بل تراقب مستوى الاستقرار. لأن أمن الطاقة لم يعد مفهوماً نظرياً، بل ركيزة استراتيجية في معادلة الاقتصاد العالمي.