الحرية – باسمة اسماعيل:
لم تكن الثورات يوماً مجرد حدث عابر في سجل الزمن، بل هي لحظات تحول عميقة تعيد تشكيل الوعي والإنسان والتاريخ. ومن بين تلك اللحظات، برزت ثورة الثامن عشر من آذار عام 2011 في سوريا كصرخة مدوية خرجت من أعماق المعاناة، لتعلن بداية فصل جديد في حكاية شعب طال صبره. كانت تلك الثورة انعكاساً صادقاً لوجع متراكم، ولحلم مؤجل، ولرغبة أصيلة في استعادة الكرامة الإنسانية والحرية المسلوبة.
وقد عبر الإعلامي والكاتب والرسام الكاريكاتيري جورج شويط في حديثه لـ”الحرية” عن رأيه بمقال تنبض كلماته عن جوهر هذه الثورة، حيث قال: ثورة الثامن عشر من آذار عام 2011 ثورة عزة وكرامة، جاءت من وجع الناس، وقهر الناس، وجوع الناس، من ظلم عاناه السوريون طويلاً، ولعقود، ثورة قدمت الدم مقابل حرية أبنائها الذين عانوا وتألموا وعاشوا أقسى وأشد العذابات من نظام قمعي، مستبد، فاسد، وأمهات قديسات فديْن الوطن بفلذات أكبادهن ليكنّ خنساوات أصيلات بمراتب قدسية.
بهذه الكلمات، تتجسد صورة الثورة لا كحدث سياسي فحسب، بل كحالة إنسانية شاملة، حملت في طياتها الألم والأمل معاً. لقد كانت ثورة كتبها الناس بدموعهم قبل دمائهم، وارتفعت فيها أصوات الأمهات جنباً إلى جنب مع صرخات الشباب، لتشكل سيمفونية الحرية رغم كلّ القسوة.
لقد شهدت المدن والقرى السورية في تلك السنوات السوداء محناً قاسية، لكنها في الوقت ذاته أظهرت تماسكاً إنسانياً نادراً. يصف الكاتب هذا المشهد قائلاً: كل المدن والقرى، في تلك السنوات السوداء، وبكل بيوتها وأماكنها المباركة المقدسة بمَن فيها، فتحت ذراعيها كي تتلقى براميل الموت، وصواريخ اللؤم، ورصاصات الحقد كرمى لشمس الحرية. وهنا، تتجلى المفارقة الكبرى: الموت في سبيل الحياة، والدمار في سبيل البناء، والوجع في سبيل الولادة الجديدة. لقد كانت سوريا، في تلك اللحظات، تعيد تعريف معنى الصمود، وتثبت أن الشعوب التي تنكسر ظاهرياً قد تكون في الحقيقة في طور النهوض.
ومع امتداد الزمن، لم تتوقف الحكاية عند حدود الألم، بل بدأت ملامح الأمل تتسلل من بين الركام. وكما يعبر الكاتب:
ومن تحت الركام والموت، ومن قلب السجون وزنزانات الموت، ومن مقابر جماعية استقبلت آلافَ الضحايا قسراً، من قلوب آلاف مؤلفة من الأمهات الثكالى، بزغ يوم (الثامن من ديسمبر) ليقول: آن للدم أن يزهر خضاراً وحياة.
إنها لحظة التحول التي ينتظرها كل شعب ناضل طويلاً، لحظة إعلان أن التضحيات لم تذهب سدى، وأن الحرية، مهما تأخرت، لا بد أن تصل.
ويتابع شويط رسم ملامح هذه العودة قائلاً: وهانحن، وخلال سنة من عمر الثورة بعد التحرير، نشهد، ومعنا تشهد سوريا الناهضة بعزم، والعائدة بإصرار، إلى قلب الحياة.
إنها عودة لا تعني فقط استعادة المكانة، بل استعادة الروح. عودة الإنسان إلى ذاته، والوطن إلى معناه الحقيقي، حيث تبنى الدول بعقول أبنائها، وسواعد عمالها، وإرادة جنودها.
وكما أراد لها الكاتب جورج شويط، فإنها ليست مجرد ذكرى، بل وعد مستمر:
“إنها سوريا التي عادت لطبيعتها، وهي ومع فجر كل يوم جديد ستشهد ومعها نشهد إشراقات جديدة وكثيرة، ستهبنا الأمل، وتجدد في قلوبنا وعزيمتنا العهد والوعد كي تكون سوريتنا الحرة الأبية درة المشرق، ورأس الزاوية لنهضة حضارية عظيمة بين الأمم.”
وهكذا، تظل الحكاية مستمرة، حكاية وطن كتب ألمه، لكنه لم يتخلّ يوماً عن حلمه.
الثورات تبقى حية في الذاكرة
في النهاية، تبقى الثورات صفحات مفتوحة في كتاب الشعوب، لا تختتم بسهولة، بل تظل حية في الذاكرة والوجدان. وثورة الثامن عشر من آذار ليست استثناء، بل هي شاهد على قدرة الإنسان على التجدد رغم الجراح.