الحرية – سمر رقية:
“جماليات اللغة العربية وأسرارها” عنوان المحاضرة التي أُقيمت في ثقافي برمانة المشايخ بريف طرطوس، وذلك استمراراً للاحتفاء بأسبوع اللغة العربية، وقدمتها مدرسة اللغة العربية ميسون سلامة.
وأكدت في البداية أن اللغة العربية اكتسبت الجمال والإبداع من جمال حروفها عندما تُنطق وتُسمع وتُكتب، فعندما تُكتب بالخط العربي لا بد من لمسة فنية تزين أحرفها من زخارف ونقوش وحركات، كما تظهر في القرآن الكريم وتزين المساجد والأبنية والمجوهرات.
وعندما تتحرك بها الألسن تتجلى فيها البلاغة والفصاحة والصور البديعة، ويظهر جمالها في الشعر والنثر والخطابة والقصة والرواية، وفي النحو والصرف.
نضوج اللغة العربية وثباتها
ولفتت سلامة إلى قيمة اللغة في أقوال المستشرقين، حيث أكد الباحث الفرنسي وليم مرسيه جمالية اللغة العربية بقوله: “اللغة العربية كالعود، إذا نقرت على أحد أوتاره رنّت لديك جميع الأوتار وخفقت، ثم تحرك اللغة في أعماق النفس من وراء حدود المعنى المباشر موكباً من العواطف والصور”.
أما المستشرق الفرنسي إرنست رينان فيقول: “اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة”، وهذا يؤكد نضوج اللغة العربية وثباتها.
وعندما سُئل الكاتب العالمي غابرييل غارسيا ماركيز أثناء برنامج إذاعي: ما هي اللغات التي سيستمر وجودها ولا تندثر؟
قال: “الإنكليزية والصينية والإسبانية والعربية”، أما بقية اللغات فمندثرة وتزول، وفي الإجابة عن السبب قال: الإنكليزية بحكم التكنولوجيا، والصينية بحكم الديموغرافيا، والإسبانية بحكم أنها لغة آداب، أما العربية فبحكم أنها لغة أخلاق وأدب، والعالم سيجد نفسه مضطراً إلى الرجوع إليها لاسترجاع قيمة الإنسانية بعد أن يكون قد فقدها بسبب النزعة المادية المتوحشة للحضارة الغربية.
القرآن الكريم سر العربية الأعظم
بيّنت سلامة أن القرآن الكريم أعطى العربية تفرداً وإعجازاً في الكتابة، واختلاف الكتابة والمعنى وفق السياق. فمثلاً كلمة “امرأة” تُكتب بالتاء المربوطة، لكننا نجدها في القرآن الكريم قد كُتبت تارة “امرأة” بالتاء المربوطة، وتارة أخرى “امرأت” بالتاء المبسوطة، وذلك عندما ارتبطت المرأة بزوجها، كقوله تعالى في سورة آل عمران: “إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني”، فهذا الإعجاز لا نجده إلا في اللغة العربية.
جمال اللغة في الشعر
وأضافت سلامة: قديماً قيل “الشعر ديوان العرب”، فقد نقل الشعر لنا حياة كاملة عاشها أصحابه منذ عصر ما قبل الإسلام إلى يومنا هذا، فمن خلاله عرفنا قصصهم وعاداتهم وبطولاتهم وما مروا به من حب وحزن وفخر وهجاء.

وقد استشعر أبناء العربية جمالها قبل أكثر من ألف وخمسمئة عام لهجرة الرسول ﷺ، فأسسوا الأسواق البيانية المغنية بجمالياتها، ومن أشهرها سوق عكاظ ومجنة وذو المجاز وغيرها. وفي هذه الميادين تسابق الشعراء لتقديم ما تجود به قرائحهم، فحوّلوا لغتهم من وسيلة للتواصل إلى أداة تتلمس مواطن الجمال، وخير شاهد على ذلك المعلقات التي عبّرت عن حال الشعراء وما مروا به من معاناة ومشاعر.
فامرؤ القيس يبدأ معلقته بوصف حصانه الذي لا يشبه الأحصنة بقوله:
وقد اغتدى والطير في وكناتها بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل
مكرٍ مفرٍ مقبلٍ مدبرٍ معاً كجلمود صخرٍ حطّه السيل من علِ
جمال اللغة في البديع والاشتقاق
ونوّهت سلامة إلى أن عبقرية اللغة تبدو في مئتي نوع من البديع، ويكفي أن نستعرض بعض أنواع المحسنات البديعية كالسجع والجناس والطباق والتورية والكناية لنكشف مستويات جمالية رفيعة.
فمثلاً حين نقرأ:
يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرحاً كعاشقٍ خطّ سطراً في الهوى ومحا
نستمتع داخلياً دون الحاجة للتفكير باجتماع فعلي الضحك والبكاء المتضادين، وهذا طباق. وفي السياق ذاته نقرأ شعراً يُقرأ أفقياً وعمودياً، ومن أبلغ من قائل نهج البلاغة الإمام علي كرم الله وجهه إذ يقول:
ألوم صديقي وهذا محال
صديقي أحبه كلام يقال
وهذا كلام بليغ الجمال
محال يقال الجمال خيال
هذا الجمال اللغوي لا نجده في أي لغة من لغات العالم، ومن هنا تفردت اللغة العربية بجمال خاص بها.