الحرية – لوريس عمران:
مع عودة الحديث عن إعادة ترقيم العملة، يتجدد القلق الشعبي، هل نحن أمام إصلاح نقدي حقيقي، أم مجرد تغيير شكلي لا يلامس عمق الأزمة المعيشية؟
بهذا السؤال يبدأ الجدل الذي يرافق أي طرح لحذف الأصفار، وهو جدل يرى فيه الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عيسى خليلو أن المسألة تتجاوز الحسابات الورقية إلى أبعاد نفسية واقتصادية شديدة الحساسية.
ما بين الحساب والواقع
وأوضح الدكتور خليلو لـ«الحرية» أن إعادة ترقيم العملة ليست إجراء تقنياً بسيطاً، بل خطوة قد تحمل آثاراً عكسية إذا لم تُدَر بحذر، مبيناً أن التخوف الشعبي من «إعادة تسعير الحياة» مرتبط بظاهرة تقريب الأسعار، حيث يميل التجار عند التحويل إلى العملة الجديدة لجبر الكسور نحو الأعلى، ما يؤدي إلى موجة غلاء غير معلنة تلتهم أي استقرار مفترض، خاصة في ظل اقتصاد يعاني من تآكل المداخيل وضعف أدوات الرقابة.
العملة… عقد ثقة
وفي قراءة أعمق لأزمة الثقة، بيّن خليلو أن المواطن السوري لا ينظر إلى العملة كوسيلة تبادل فقط، بل كمخزن للقيمة وضمان للمستقبل، لذلك فإن السؤال المتداول في الشارع: من يحمي دخلي؟ حيث يعكس إدراكاً واضحاً بأن المشكلة ليست في عدد الأصفار المطبوعة، بل في القوة الشرائية التي تمثلها العملة.
مؤكداً أن العملة في جوهرها عقد ثقة بين السلطة النقدية والمجتمع، وإذا لم يترافق التغيير الشكلي مع إجراءات هيكلية تحمي هذه الثقة، فقد يتحول المشروع إلى عبء إداري جديد بدل أن يكون أداة استقرار.
فوضى التفسير والضغط على الليرة
ويحذر خليلو من خطورة التضليل المنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يجري الخلط بين حذف الأصفار وتحسن القيمة أو انهيارها، في ظل غياب خطاب رسمي توعوي واضح ، لافتاً إلى أن هذا الفراغ يدفع بعض المواطنين إلى سلوكيات اقتصادية غير عقلانية، كالتخلي السريع عن السيولة لصالح الذهب أو العملات الأجنبية، ما يزيد الضغط على الليرة بدل تخفيفه.
الدخل أولاً
ونوه خليلو بأن الرسالة الأساسية التي يبعثها الشارع السوري واضحة؛ أي إصلاح نقدي يجب أن يبدأ من تحسين الدخل الحقيقي لا من تغيير شكل العملة.
مبيناً أن المعيار الحقيقي لنجاح أي عملة جديدة هو قدرة الراتب الشهري على تغطية احتياجات الأسرة لأطول فترة ممكنة، لا شكل الورقة ولا عدد أصفارها، موضحاً أن أي خطوة لا تترافق مع رفع الأجور وضبط الانفلات السعري ستفسر شعبياً على أنها إجراء تجميلي لا يلامس جوهر المعاناة اليومية.
الإصغاء مفتاح النجاح
وفي ختام حديثه، بين الدكتور خليلو أن نجاح السياسات النقدية لا يقاس بسلامتها النظرية، بل بقدرتها على كسب ثقة المجتمع ، فالشفافية والتواصل الواضح، وإشراك الناس في فهم مراحل التحول النقدي، بالإضافة إلى جانب حماية فعلية للدخل، هي الركائز التي يمكن أن تجعل من أي تغيير نقدي بداية لتعافٍ حقيقي، لا مجرد تغيير في الأرقام المطبوعة على الورق.