الحرية – لمى سليمان:
مع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة للتوتر بل أصبح مسرحاً لحرب مفتوحة تدفع بأسعار الطاقة إلى مستويات لم تصلها قبل لتصبح أسواق الطاقة من أعقد أزمات النظام الاقتصادي العالمي حدة بحسب تقارير وتقييمات عالمية.
فبعد أسبوع فقط من الحرب وجدت سلاسل التوريد العالمية نفسها أمام شلل شبه مطلق بإغلاق أهم شرايين الطاقة في العالم وهو مضيق هرمز والذي يمر عبره بحسب بيانات إدارة الطاقة الأمريكية، 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية وخمس تجارة الغاز المسال عالمياً مايقارب 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام ومشتقاته.
كيف يمكن أن تُرى انعكاسات هذه الأزمات على الأمن الطاقي وعلى وضع المحروقات في سوريا؟ وهل من الممكن أن يكون هناك خطة لتفادي بعض هذه الأضرار؟
تهديد مباشر لأمن الطاقة
يجيب الخبير الإقتصادي أنس الفيومي مؤكداً أنه لا يمكن النظر إلى أي تصعيد عسكري بين إسرائيل و إيران على أنه حدث سياسي أو أمني في منطقة تنتج ثلث النفط العالمي، بمنظور آخر هذا التصعيد يعتبر تهديداً مباشراً لأمن الطاقة العالمي، فاستهداف منشآت نفطية أو بنى تحتية حيوية في الخليج أو شرق المتوسط،كفيل بإعادة رسم خريطة تدفقات النفط والغاز و رفع مستويات المخاطر في الأسواق الدولية.
ويتابع الفيومي في تصريحه لـ”الحرية” أنه في حال توسع رقعة المواجهة لتطول الممرات البحرية، وخصوصاً مضيق هرمز، فإن ذلك سيؤثر على جزء كبير من صادرات النفط العالمية، ما يعني ارتفاعاً حاداً في الأسعار، وزيادة في تكاليف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل التوريدات.
سوريا في حرب الطاقة
أما فيما يخص سوريا فيرى الفيومي أن سوريا اليوم لا يمكن أن تعتبر دولة منتجة أو مصدرة بل تعتمد بدرجات متفاوتة على واردات النفط الخام والمشتقات، سواء عبر قنوات رسمية أو تفاهمات ثنائية، بالتالي فإن أي ارتفاع عالمي في الأسعار أو تعطل في الإمدادات سيظهر سريعاً في السوق المحلية عبر تراجع كميات التوريد وارتفاع تكلفة الاستيراد وازدياد الضغط على احتياطات القطع الأجنبي عدا عن محدودية القدرة التخزينية.
لذلك فإن أي انقطاع مؤقت قد يتحول إلى أزمة محروقات حادة، تنعكس على النقل و الكهرباء والقطاع الزراعي وحتى على أسعار السلع الأساسية ونحن نعاني ما نعانيه أصلاً من اختلالات نقدية وتضخم مرتفع، فأي زيادة في فاتورة الطاقة تعني ضغوطاً إضافية على سعر الصرف، وبالتالي حلقة تضخمية جديدة.
خطة لتفادي الأضرار
هل من الممكن تفادي الأضرار أو اتباع خطة ناجعة لتقليل الأذى الحاصل؟
يوضح الفيومي في رده على هذا السؤال أنه يمكن تفادي الأضرار رغم محدودية الأدوات المتاحة، عبر تعزيز المخزون الاستراتيجي و زيادة السعات التخزينية وشراء كميات احتياطية عند أي هدوء نسبي في الأسعار، إضافة إلى تنويع مصادر التوريد والابتعاد عن الاعتماد على مسار واحد أو شريك واحد لتقليل مخاطر الانقطاع المفاجئ.
والأهم، كما يراه الفيومي، ترشيد الدعم و توجيهه إلى القطاعات الإنتاجية كالزراعة والنقل العام والصناعة مع ضرورة تسريع الاستثمار في البدائل كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح التي لم تعد خياراً بيئياً فقط بل أصبحت خياراً سيادياً لتقليل الاعتماد على الخارج مع أهمية الشفافية في الإعلان عن الكميات المتاحة وخطط التوريد تقلل من الهلع والتخزين العشوائي الذي يفاقم الأزمة، لأن السؤال لم يعد إن كانت الأسواق ستتأثر، بل إلى أي مدى يمكن احتواء الصدمة قبل أن تتحول إلى أزمة داخلية عميقة، لذلك من الضرورة أن تدار الأزمة بخطاب اقتصادي واضح و شفاف، لأن الشائعات قد تصبح عاملاً مضارباً بحد ذاته كما حدث أمام محطات المحروقات وأزمة الغاز.
احتمالان مقبلان
براي الخبير الاقتصادي فنحن نقف اليوم أمام احتمالين، الأول: مواجهة مؤقتة مضبوطة الإيقاع كما حدث في مواجهة سابقة بحيث تبقى الضربات متبادلة ضمن حدود مدروسة، دون استهداف واسع للبنية التحتية النفطية أو الممرات البحرية، نتائجه ارتفاع مؤقت في أسعار النفط و زيادة تكاليف التأمين والشحن و ضغط نفسي على الأسواق دون انقطاع فعلي طويل للإمدادات يمكن احتواء هذه الاحتمالية عبر إدارة المخزون وتكثيف التوريد.
أما الاحتمال الثاني فهو حرب واسعة واستهداف منشآت نفطية وتعطل طرق الملاحة الاستراتيجية، فسيكون العالم أمام صدمة طاقة حقيقية عالمية وليست محلية نتائجها قفزة حادة في أسعار النفط قد تتجاوز مستويات غير مسبوقة، نقص فعلي في الإمدادات العالمية، موجة تضخمية عالمية وليست محلية، في هذا الاحتمال تصبح إدارة الأزمة أولوية وطنية تتجاوز الإطار الاقتصادي إلى الأمني والاجتماعي هنا يبرز عنصران حاسمان:
الأول: سياسة تأمين المحروقات مترافقة مع سياسة نقدية استباقية تمنع الانفلات في سوق الصرف، سواء عبر أدوات تدخل مباشرة أو عبر إدارة توقعات السوق.
الثاني: أولوية القطاعات الإنتاجية في حال شح الإمدادات ينبغي حماية الزراعة والنقل العام والصناعة قبل أي استخدامات أخرى، لتجنب انتقال الأزمة إلى الأمن الغذائي.
وفي ختام حديثه يؤكد الفيومي أن التحدي بالنسبة لسوريا لا يكمن فقط في تأمين ليترات إضافية من الوقود، بل في إدارة التوقعات، وحماية العملة، ومنع تحول الصدمة الخارجية إلى أزمة داخلية مركبة، ففي عالم مضطرب تصبح المرونة الاقتصادية هي خط الدفاع الأول.