الحرية ـ باسمة اسماعيل:
ليست كل الحكايات تُروى كما هي، فبعضها يُكتب بالدمع والصبر، ويختصر مسيرة وطن كامل في قصة عائلة واحدة. هكذا بدت رواية الناشطة الاجتماعية والإعلامية قمر الحداد، وهي تستعيد فصولاً من ذاكرة السوريين منذ البدايات وحتى لحظة التحول.
حلموا بالحرية والكرامة
في حديثها لصحيفة “الحرية”، تقول قمر الحداد إن السوريين خرجوا في الثامن عشر من آذار، محملين بأحلام صغيرة وكبيرة في آن واحد، بأرواح تلهث نحو الحرية والكرامة والعدالة، وبقلوب لا تعرف الخوف مهما حاولت آلة القمع إخمادها، مشيرة إلى أنهم لم يحملوا سوى أصواتهم، مطالبين بحياة تليق بالإنسان، لكن تلك الأصوات، كما تروي قمر، قوبلت منذ اللحظة الأولى بالعنف، حيث كان الرصاص والقتل بانتظارهم، وسقط الكثيرون فقط لأنهم حلموا بالحرية والكرامة، وأرادوا أن يسمع العالم صوتهم.
وتستعيد قمر مشاهد من مدينتها الحفة في ريف اللاذقية، حيث كان للحكاية فصلها الأشد قسوة. تقول: خرجنا بمظاهرات سلمية، لكن الرد كان رصاصاً وقصفاً مستمراً، وتحولت الحفة إلى ساحة ألم، خاصة في منطقة قوس النصر، حيث سقط آلاف الأبرياء.

وتتابع: بصوت يحمل ذاكرة الطفولة المثقلة: كنت في الثالثة عشرة من عمري، أراقب من نافذتي الطائرات والبراميل وهي تهبط، والأرض تهتز بعنف، ومع تصاعد القصف، تفرقت العائلات، بين قتيل ولاجئ ونازح، وأجزاء من العائلات ما زالت حتى اليوم لا تعرف مصير أبنائها، تنتظرهم بلا انقطاع.
مفارقة مؤثرة وقاسية في آن معاً
المشهد يحمل واقعاً كاملاً
وتضيف قمر : إن السنوات اللاحقة كانت “ثقيلة ومؤلمة”، مليئة بالخوف والفقد والسجون والمعارك، مشيرة إلى أن من أكثر ما ترك أثراً في حياتها سجن والدها، في وقت كان أحد إخوتها يقاتل على الجبهات، غير أن الحكاية، كما تقول، حملت مفارقة قاسية ومؤثرة في آن واحد، ففي الثامن من كانون الأول عام 2024، كان أخي يقود مدرعته في معركة ردع العدوان، وحقق إنجازاً على الأرض، حيث كانت مدرعته أول مدرعة تدخل مدينة خطاب في محور سراقب، بينما كان أخي الآخر لا يزال في السجن بدمشق، وفي اليوم ذاته، استشهد الأخ المقاتل، في حين خرج شقيقه الآخر من السجن بعد تحريره، ليجتمع ما تفرق من العائلة، ونشهد نهاية مرحلة طويلة من الألم.
وتؤكد قمر أن هذه القصة ليست استثناء، بل صورة مصغرة عن واقع السوريين، حيث بينت أنه في عائلة واحدة كعائلتها، كما في آلاف العائلات، كان هناك مَن في السجن، ومَن في ساحة القتال، ومَن في الغربة، ومَن ما زال ينتظر، مشيرة إلى أن هذا المشهد لا يمكن لأي مسلسل أو كتاب أن ينقله كما هو، لأنه يحمل الواقع بكل ما فيه من دموع وأمل.
وترى قمر أن معنى الانتصار الحقيقي لا يختصر بإعلان رسمي، بل يتجلى في هذا الثمن الكبير الذي دفعه الشعب، وفي اللحظة التي يجتمع فيها الفقد والفرج في قلب واحد، مؤكدة أن السوريين أثبتوا أن الكرامة لا تُشترى، ولا تُقهَر، وأن الحرية حق لا يمكن تجاوزه.
ليست قصة فرد بل ذاكرة شعب
هكذا تُروى الحكاية ليست قصة فرد، بل ذاكرة شعب كامل، حيث يمتزج الألم بالأمل، ويولد من بين الركام معنى لا يمكن كسره: أن الحلم بالحرية، مهما طال الطريق إليه، يبقى أقوى من كل ما يواجهه.