الحرية – جهاد اصطيف:
تتزامن إطلالة العام الجديد على مدينة حلب، مع مرور عام كامل على تحريرها من قبضة النظام البائد، بعد سنوات طويلة من القمع والحرب التي خلفت آثارها العميقة في كل زاوية من زوايا المدينة، ورغم أن الطريق نحو إعادة الإعمار لا يزال طويلاً، شهدت حلب تحولاً ملموساً في مختلف المجالات، فقد بدأ سكانها يشعرون بتحسن ملحوظ في الوضع الأمني، بالإضافة إلى تحرر بعض القطاعات الخدمية، رغم استمرار التحديات.
من القلق إلى الاستقرار
منذ الأيام الأولى لتحرير المدينة، كانت حالة القلق والتوتر تخيم على أهالي حلب، فبالرغم من الأمل الذي حمله التحرير، إلا أن التحديات الأمنية كانت تشكل هاجساً حقيقياً اليوم، وبعد مرور عام كامل، يعترف كثير من السكان بتغير كبير في الوضع الأمني.
جمال الأحمد أحد سكان حي مساكن السبيل، يقول في حديثه لـ” الحرية ” : “لقد شهدنا تراجعاً كبيراً في جرائم الخطف والسرقة مقارنة بالأشهر الأولى بعد التحرير، انتشار وحدات المهام الخاصة (A1) منحنا شعوراً حقيقياً بالأمان”، مضيفاً أن الحركة التجارية في الأسواق سرعان ما عادت تدريجياً، بعد أن كانت قد توقفت تماماً في بداية التحرير.
القلق الذي ساد في الأيام الأولى من التحرير قد بدأ يتحول إلى شعور بالاطمئنان في معظم أحياء المدينة، صلاح حمود من سكان حي الهلك، أشار إلى أن التقدم السريع للثوار خارج المدينة منح شعوراً بأن مرحلة جديدة قد بدأت، واليوم أصبحت المدينة أكثر أماناً.
الأسواق تعود
على الرغم من التحسن الأمني، إلا أن الوضع الاقتصادي ما زال بحاجة إلى الكثير من الدعم، ففي حي صلاح الدين، الذي كان أحد الأحياء الأكثر تضرراً، أكدت زهية مصطفى أن الأسواق عادت لتكتظ بالمتسوقين، وخاصة النساء اللواتي كنّ يتجنبنّ التجوال سابقاً بسبب الأوضاع الأمنية.
إلا أن معظم التجار يشيرون إلى أن حركة السوق لا تزال ضعيفة نسبياً، وأن التحسن في الوضع الأمني قد يكون عاملاً مساعداً في إعادة النشاط التجاري تدريجياً.
التحسن في الخدمات
خلال سنوات الحرب، عانى سكان حلب من انقطاع الكهرباء بشكل شبه كامل، إلا أن الوضع قد تحسن بشكل ملحوظ في العام الأخير، حيث ارتفعت ساعات التغذية الكهربائية وسطياً إلى نحو 8 ساعات يومياً، مع خطط للوصول إلى تغذية شبه مستمرة في المستقبل القريب بفضل إعادة تأهيل محطات التوليد وصيانة شبكات النقل المتضررة.
لكن في مجال الخدمات الأخرى، ما زالت المدينة تواجه تحديات، أبرزها في قطاع النظافة، فالقمامة والبقايا تتراكم في بعض الأحياء، ما دفع السلطات المحلية إلى إطلاق مبادرات مجتمعية مثل ” لعيونك يا حلب “، بالتوازي مع دعم الأمم المتحدة لتحسين إدارة النفايات ونقل الأنقاض.
استعادة الوجه الحضاري للمدينة
رغم التحسن الأمني والخدمي، تبقى عملية إعادة الإعمار هي التحدي الأكبر في المدينة، فحلب كانت واحدة من أكثر المدن السورية تضرراً خلال الحرب، حيث وثق معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب (UNITAR) تدمير أكثر من 35 ألف مبنى في المدينة، ويقدر الخبراء المحليون أن نحو 40% من البنية التحتية تحتاج إلى تأهيل كامل، وهو ما يشمل المدارس والمستشفيات التي لا تزال خارج الخدمة.
لكن الإدارة المحلية في محافظة حلب خلال عام كامل بدأت بالفعل بتنفيذ سلسلة من الأعمال الخدمية والتنموية، انطلقت من أولويات إعادة الإعمار وتحسين الواقع الخدمي، وصولاً إلى تطوير المشهد الحضري والاقتصادي للمدينة.
وأوضح أحمد المحمد مدير المكتب الإعلامي لمديرية الإدارة المحلية والبيئة بحلب في تصريح لـ”الحرية ” أنه تم ترحيل الأنقاض وتجهيز البنية التحتية، حيث جرى ترحيل أكثر من 150 ألف متر مكعب من الأنقاض من عشرين حياً في مدينة حلب، وذلك بالتعاون مع الدفاع المدني، بالتوازي مع إعادة صيانة وتأهيل خطوط الصرف الصحي في عدد من الأحياء، بما يسهم في تحسين السلامة العامة والواقع الصحي.
وفي ملف تزفيت الشوارع داخل المدينة، لفت إلى تنفيذ أعمال تزفيت بطول 85 كيلومتراً، استهدف معظمها أحياء حلب الشرقية، إضافة إلى تأهيل دوار الموت ودوار الليرمون، وصيانة وتجميل نفق السليمانية، إلى جانب تزفيت مداخل المدينة الغربية والشمالية مع أعمال تجميل مرافقة.
وفي مجال النظافة، تم ترحيل نحو ” 780 ” ألف طن من القمامة خلال العام الماضي، بالإضافة إلى توزيع 350 حاوية قمامة جديدة، وصيانة 260 حاوية أخرى، وتركيب 350 حاوية جدارية صغيرة في أحياء المدينة، إضافة إلى تدعيم شعب النظافة بنحو 500 عربة نظافة، واستمرار أعمال غسيل الشوارع يومياً، وتأهيل المجمع الوسيط في عين العصافير وتجهيزه ليكون أكثر أماناً.
وفيما يتعلق بالحدائق والمساحات الخضراء، أضاف المحمد أنه تمت إعادة تأهيل 14 حديقة عامة، أبرزها الحديقة العامة، وحديقة الحاووظ، وحديقة المحافظة، وحديقة السبيل، مع العمل على إعادة تأهيل 15 حديقة عامة أخرى، فضلاً عن تأهيل الجزر والمسطحات الخضراء عند مدخل حلب من جهة دمشق ودوار الموت، بما يشمل كراسي استراحة ومناهل مياه، إضافة إلى إعادة تأهيل مشاتل داعمة لمشاريع الحدائق.
وفيما يتعلق بالأسواق المحلية، أشار مدير المكتب الإعلامي إلى أنه جرى تجهيز ثلاثة أسواق للخضار والفواكه والبسطات، وصيانة سوق الزرب وخان الشونة، ونقل مكاتب السيارات إلى منطقة الراموسة، بما يسهم في تنظيم الحركة التجارية وتحسين الواقع الخدمي.
وفي ملف ترميم المنازل، فقد تم استهداف ترميم نحو ألف منزل في حيي الفردوس وهنانو، ومنح نحو 560 رخصة ترميم، إضافة إلى إصدار 285 رخصة تجارية.
وفي إطار التعاون والتطوير المؤسسي، جرى توقيع اتفاقيات توأمة بين بلدية حلب وبلدية غازي عنتاب، وبلدية شاهين بيه، إلى جانب تطوير ملفات الاستثمار، وإزالة نحو 1850 مخالفة تتعلق بالتعدي على الأملاك العامة والسلامة الإنشائية وإشغالات الأرصفة، إلى جانب ورش المبيدات على مراحل في أحياء المدينة.
حلب على طريق الإعمار
بالطبع أهل حلب، وعلى الرغم من تقدمهم المحرز في بعض المجالات، يعلقون آمالاً كبيرة على العام الجديد في تحسين أوضاعهم الاقتصادية والخدمية، ومع بدايته، يأمل سكان المدينة أن تشهد عملية إعادة الإعمار تسارعاً، خاصة مع الدعم الذي توفره حملات مثل ” حلب ست الكل”، التي جمعت أكثر من 426 مليون دولار لدعم جهود المدينة.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً، يثق أهل حلب في قدرتهم على تجاوز الصعاب، حيث يقولون عن مدينتهم : ” حلب لا تموت، مهما اشتد الخراب، قادرة دائماً على النهوض.”