المنتج المحلي بين مطرقة الإغراق وسندان التكاليف..ضرورة وطنية لحماية المنتج المحلي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية _ رشا عيسى:
يبقى ملف حماية المنتج المحلي في الواجهة، وسط مخاوف متزايدة من سياسات اقتصادية أسهمت في إغراق السوق بالمنتجات الأجنبية، ما أدى إلى إضعاف القدرة التنافسية للصناعة الوطنية، ودفع بعض المنتجين إلى الخروج من السوق.
و وسط الدعوات لحماية الصناعة الوطنية، تبرز الحاجة لتحسين جودة المنتج الوطني المتداول في الأسواق المحلية،حيث يطالب الصناعي اليوم بأن يتواءم مع المرحلة الجديدة ، ويتجه لتخفيض الأسعار مدعوماً برفع العقوبات والوعود الحكومية لدعم هذا القطاع الحيوي.
الباحث الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس يؤكد أنّ الحل يبدأ من تفعيل قانون مكافحة الإغراق رقم 42 لعام 2006، باعتباره أداة تشريعية أساسية لحماية الإنتاج الوطني ودعم الاقتصاد الحقيقي القائم على الصناعة لا على الاستيراد.

خطر يهدد الصناعة الوطنية

يشير الجاموس في حديث لـ” الحرية” إلى أن السوق السورية شهدت خلال الفترة الماضية تدفقاً كثيفاً للمنتجات الأجنبية،، حيث تجاوزت قيمة الصادرات من دولة مجاورة في الشهر الأول من عام 2025 أكثر من 250 مليون دولار.
هذا التدفق، إلى جانب التهريب عبر الحدود المفتوحة، وضع المنتج المحلي في مواجهة منافسة غير عادلة، خصوصاً في ظل دخول بضائع بأسعار تقل أحياناً عن تكلفة إنتاجها في بلد المنشأ، ما يُعد إغراقاً صريحاً للسوق.

الدكتور مجدي الجاموس
الدكتور مجدي الجاموس

المنتج المحلي بين مطرقة الإغراق وسندان التكاليف

لم تكن المنافسة السعرية وحدها التحدي أمام الصناعي السوري، بل جاءت فوق أعباء ثقيلة يعاني منها أصلًا،و أبرزها، ضعف البنية التحتية، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع أسعار الطاقة و تكاليف المياه والنقل، وصعوبة استيراد المواد الأولية، وتردي الطرق والخدمات اللوجستية.
و مع سياسة الإغراق، وجد المنتج المحلي نفسه عاجزاً عن المنافسة، ما أدى في بعض الحالات إلى توقف المعامل وخروجها من السوق.

مثال صارخ على غياب العدالة السعرية

يضرب الجاموس مثالًا واضحاً على أثر غياب الرسوم الجمركية العادلة، حيث يدخل الغرانيت السعودي إلى السوق السورية بسعر يقارب 9 آلاف ليرة سورية للمتر، وبجودة أعلى، في حين يبلغ سعر الغرانيت الوطني نحو 30 ألف ليرة اً.

تشريع معطّل يحتاج التفعل

يؤكد الجاموس أن قانون مكافحة الإغراق رقم 42 لعام 2006 وُضع أساساً لحماية الإنتاج الوطني من الممارسات غير العادلة، سواء كانت اقتصادية أو ذات أبعاد سياسية.
ويشدد على ضرورة إعادة فرض رسوم جمركية مدروسة على المنتجات المستوردة، وتحقيق عدالة سعرية تُمكّن المنتج المحلي من المنافسة، ومنع دخول السلع الأجنبية بأسعار تقل عن تكلفتها الحقيقية.

حماية المنتج المحلي

يرى الجاموس أن الحديث عن بيئة استثمارية جاذبة لا يمكن أن ينجح دون حماية المنتج المحلي، موضحاً أن جذب الاستثمارات – سواء المحلية أو الخارجية – يحتاج إلى ثلاثة مرتكزات أساسية، أولها بنية تحتية جاهزة (طاقة، كهرباء، مياه، نقل)، وثانيها، بيئة قانونية وتشريعية حاضنة وواضحة، وثالثها، قطاع مالي فاعل يكون شريكاً في الإنتاج، لا مجرد ممول تقليدي.
ويضيف الجاموس أن الاعتماد المفرط على الاستثمارات الخارجية دون تحصين الداخل يُعدّ مغامرة قد تؤدي إلى هجرة جديدة لرؤوس الأموال والصناعيين المحليين.

بيروقراطية خانقة

ينتقد الجاموس استمرار التعقيدات الإدارية، معتبراً أن اجراءات منح التراخيص لا تزال معقدة، حيث تعاني منشآت صناعية حتى ضمن المناطق الصناعية من تأخير الترخيص لأشهر طويلة، كما يشير إلى ضعف دور القطاع المالي، الذي لم يتحول بعد إلى شريك حقيقي في المشاريع الإنتاجية، ما يزيد المخاطر على الصناعيين ويحدّ من توسعهم.

إمكانات معطلة

يشدد الجاموس على ضرورة تفعيل المناطق الصناعية بصيغتها الحقيقية في حلب وبقية المحافظات، بحيث يحصل أي مشروع صناعي ضمن هذه المناطق على تراخيص إدارية مبسطة وسريعة، بدل إخضاعه لإجراءات معقدة تعوق الإنتاج.
يرى الدكتور الجاموس أن النموذج الأمثل للاقتصاد السوري يقوم على تفعيل قانون مكافحة الإغراق، وحماية المنتج المحلي من المنافسة غير العادلة، وتخفيف الضرائب على الإنتاج الوطني، وتسهيل التراخيص والابتعاد عن البيروقراطية، وبناء قطاع مالي شريك في الإنتاج، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ومكافحة التهريب وضبط الحدود.
ويحذّر من أن استمرار السياسات القديمة قد يؤدي إلى نتائج مشابهة لما حصل خلال سنوات الحرب، من حيث هجرة الصناعيين وتراجع الإنتاج، مؤكداً أن حماية المنتج المحلي ليست خياراً، بل ضرورة وطنية لبناء اقتصاد قوي ومستدام.

Leave a Comment
آخر الأخبار