الحرية – لوريس عمران:
تسللت سماعات الأذن اللاسلكية إلى تفاصيل حياتنا بهدوء، حتى غدت جزءاً من كل لحظة: في الطريق، وفي المكتب، وبين خطوات الرياضة، وقبل أن نغفو. ومع هذا الحضور الكثيف، يظل سؤال محوري يلحّ في الخلفية: هل نستخدم هذه التقنية بأمان؟
القلق لدى المستهلكين
تتمحور المخاوف حول الترددات اللاسلكية (RF) المنبعثة من سماعات البلوتوث. تُصنَّف هذه الترددات ضمن الموجات الكهرومغناطيسية غير المؤيّنة، وهي مماثلة لتلك الصادرة عن الهواتف وشبكات الواي فاي. وتؤكد الجهات الصحية العالمية أن مستوى هذه الترددات ضعيف جداً ولا يرتقي إلى مستويات الخطورة، إلا أن القرب المباشر للجهاز من منطقة الرأس يظل سبباً لاستمرار القلق لدى المستهلكين.
هذه الآراء المتباينة تعكس حالة عامة يعيشها كثير من المستخدمين، خاصة في ظل غياب دراسات طويلة المدى يمكنها الحسم بشكل نهائي. فالمرجعيات العلمية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية وهيئات الرقابة الصحية لم تثبت وجود خطر مباشر، لكنها في الوقت نفسه لا تقدم إجابة قطعية حول ما قد يحدث بعد عقود من الاستخدام اليومي.
لا يزال الجدل حول استخدام السماعات اللاسلكية حاضراً بين الشباب في اللاذقية؛ حيث أشار مصطفى طالب في الهندسة المعلوماتية لصحيفة “الحرية” إلى أنه يعتمد عليها بشكل شبه دائم، مبيناً أنه يتابع التحذيرات المتداولة على مواقع التواصل، لكنه يقر بأنه لا يجد بديلاً عملياً في ظل الاعتماد المتزايد على الخدمات الرقمية.
في المقابل، تبدي آية وهي طالبة طب، قلقها من الاستخدام الطويل للسماعات، إذ تلجأ إلى السماعات السلكية خلال المحاضرات والمكالمات الممتدة. أما راني الموظف في إحدى شركات الاتصالات، فقد اعتبر أن المخاوف المنتشرة مبالغ فيها، مضيفاً إن الشركات المصنعة لا تطرح منتجات تعرض المستخدمين لأضرار مباشرة، لافتاً إلى أن النقاش الدائر يرتبط غالباً بسلامة السمع أكثر من قضية الإشعاع.
الخطر في السماعات صامت
ولكي نستوضح الصورة من منظور طبي متخصص، التقت الحرية الدكتور وائل تجور أخصائي الأمراض العصبية، الذي بدا حريصاً على وضع الأمور في سياقها العلمي. حيث أكد أن الترددات المنبعثة عن البلوتوث ضعيفة للغاية، ولا تقترب حتى من المستويات التي قد تُحدث تغيرات في الخلايا.
ورأى الدكتور تجور أن هناك مشكلة أخرى يعتبرها أكثر خطورة من موضوع الإشعاع، وهي مستوى الصوت ، مبيناً أن المواطنين يضعون السماعات لساعات طويلة وبمستويات مرتفعة، وهذا يسبب تآكلًا تدريجياً في خلايا الأذن الداخلية.
ويضيف الدكتور تجور إن الخطر هنا صامت ولا يشعر به الشخص فوراً، إذ يؤدي إلى طنين أو ضعف سمع مبكر، وهو ما بدأ يظهر بالفعل لدى فئات أصغر سناً مقارنة بالسنوات الماضية، مؤكداً أن الحل ليس في التخلي عن السماعات، بل في استخدامها بوعي أكبر كخفض الصوت، ومنح الأذن فترات راحة، إضافة إلى عدم ارتدائها لساعات متواصلة إلا للضرورة.
الدعوة إلى الاعتدال
رغم كل ما يقال، يبدو أن سماعات البلوتوث ستظل جزءاً من المشهد اليومي، وأن النقاش حولها سيبقى مفتوحاً. فالتقنية تتطور بسرعة، والمستخدمون يتشبثون بالراحة التي توفرها، والخبراء يواصلون الدعوة إلى الاعتدال. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً: ما يزال لدينا الكثير لنعرفه عن التأثير الكامل للأجهزة التي ترافقنا على مدار الساعة.