خطط إعادة بناء البنى التحتية في سوريا الجديدة.. رؤية شاملة لتعزيز الصمود واستعادة الحياة

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية- آلاء هشام عقدة:

تمثل ذكرى الثورة السورية العظيمة محطة لاستشراف المستقبل الذي طالما ناضل السوريون من أجله، في هذا السياق، تأتي خطط إعادة بناء البنى التحتية كأولوية وطنية قصوى، ليس فقط لإزالة آثار الدمار، بل كأساس لبناء دولة المؤسسات واستعادة الدور الريادي لسوريا.

الدكتور عبد الهادي الرفاعي عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية يستعرض التفاصيل الكاملة للخطط الحكومية، مستندة إلى التصريحات الرسمية والتقارير الدولية، في ضوء رؤية متكاملة تضع المواطن السوري في صميم عملية البناء. حيث بينّ لـ الحرية أن هناك ركائز استراتيجية للدولة في إعادة الإعمار

من خلال ما اكده السيد الرئيس أحمد الشرع في أكثر من لقاء، وآخرها لقاؤه مع الإعلاميين في قصر الشعب، أن رؤية الدولة لإعادة البناء تقوم على مسارين متوازيين ومتكاملين يعكسان واقع الدمار وحجم التحديات:

· المسار الأول: التعافي المبكر وإعادة التأهيل في القرى والبلدات: يركز هذا المسار على المناطق التي تعرضت لدمار جزئي. ويتضمن:

  •  إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية من طرق وشبكات مياه وكهرباء.
  •  إزالة الأنقاض تمهيداً لعودة الحياة.
  •  إعادة تشغيل المدارس والمشافي والمراكز الخدمية.
  •  الهدف المباشر هو تهيئة الظروف الملائمة لعودة الأهالي تدريجياً إلى قراهم وبلداتهم، حتى لو تطلب الأمر البدء بمساكن مؤقتة.

· المسار الثاني: النموذج الاستثماري للمدن المدمرة بالكامل: يخص هذا المسار المدن والأحياء التي وصلت نسبة الدمار فيها إلى 90% أو 100%، مثل أجزاء واسعة من حلب ودير الزور والغوطة. هنا، يضيف الدكتور الرفاعي تؤكد الدولة أن إعادة البناء بالاعتماد على ميزانيتها فقط هو أمر “شبه مستحيل” بسبب الكلفة الضخمة. لذلك، تم اعتماد نموذج استثماري مبتكر تقوم فكرته على طرح مشاريع إعمار شاملة أمام شركات التطوير العقاري المحلية والدولية، و يحصل أصحاب العقارات الأصلية (المستحقون) على وحدات سكنية جديدة بذات المساحة التي كانوا يملكونها، ضمن المخطط الجديد، بالإضافة لحصول المستثمر على حق استثمار المساحات الإضافية وفائض البناء (مثل إنشاء أبراج سكنية وتجارية، مولات، مساحات خضراء) مقابل قيامه بتنفيذ المشروع بالكامل وتطوير البنية التحتية للمنطقة.

ويؤكد الرفاعي أن هذا النموذج سيُنعش الاقتصاد، ويعالج البطالة، ويجذب الاستثمارات، وينقذ الأهالي من أعباء البناء المباشر.

أما عن آلية التنفيذ فيمكن ان تتم من خلال تشكيل لجنة مركزية للبنى التحتية.

ولترجمة هذه الرؤية على أرض الواقع، صدر في 10 آذار 2026 المرسوم الرئاسي رقم 59، القاضي بتشكيل لجنة حكومية عليا برئاسة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث . تضم اللجنة في عضويتها وزراء المالية، الأشغال العامة والإسكان، الشؤون الاجتماعية والعمل، الإدارة المحلية والبيئة، إضافة إلى محافظي المحافظات الأكثر تضرراً (حلب، حماة، إدلب) ومدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية .

مهام اللجنة الرئيسية:

  1. تهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي.
  2. رفع المستوى الخدمي للمواطنين في مناطق النزوح الداخلي وتقديم الدعم اللازم.

يعد هذا المرسوم “خطوة مؤسسية عملية تربط مباشرة بين إعادة التأهيل وملف العودة الطوعية والآمنة للاجئين والنازحين” .

حجم الدمار وتكاليف إعادة الإعمار

تضع الأرقام الصادرة عن المؤسسات الدولية حجم التحدي أمام القائمين على هذه العملية:

تكلفة إعادة الإعمار: بناء على تقديرات البنك الدولي في تقرير صدر في 21 تشرين الأول 2025، أن تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة (البنية التحتية والمباني) تتراوح بين 140 و345 مليار دولار، مع أفضل تقدير متحفظ يبلغ 216 مليار دولار . ويتوزع هذا المبلغ على 75 ملياراً للمباني السكنية، 59 ملياراً للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية لوحدها .

تعرض نحو ثلث إجمالي رأس المال الوطني للضرر. وكانت البنية التحتية الأكثر تضرراً، إذ شكلت 48% من إجمالي الأضرار (حوالي 52 مليار دولار)، تليها المباني السكنية . وتعد محافظات حلب وريف دمشق وحمص الأكثر تضرراً وتحتاج للحصة الأكبر من الاستثمارات .

•الخسائر البشرية والاقتصادية: انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 53% بين 2010 و2022، ويعيش حوالي 86% من السكان تحت خط الفقر. كما تشير التقديرات إلى عودة أكثر من 1.47 مليون سوري حتى بداية 2026، مع توقعات بعودة الملايين إضافية، ما يضع ضغطاً هائلاً على الخدمات والبنى التحتية .

الفرص والتحديات في المرحلة المقبلة

ويشير الرفاعي إلى أن أبرز الفرص هو الاهتمام الدولي العربي في إعادة الإعمار حيث نلاحظ وجود اهتمام من شركات عالمية كبرى بالمشاركة في مشاريع الإعمار، كما أن الحديث عن “مشروع مارشال سوري” وإعادة الاندماج في الاقتصاد العالمي يفتح آفاقاً واسعة للاستثمار والتمويل .

بالإضافة لتحويل الركام إلى ثروة حيث يرى أصحاب الاختصاص أن مخلفات الحرب يمكن أن تتحول إلى فرصة استثمارية عبر استخدام آلات متخصصة لتكسيرها وإعادة تدويرها لإنتاج مواد بناء (بلوك، بحص)، ما يخفض التكاليف ويسرع وتيرة العمل .

عودة الكفاءات: عودة اللاجئين تحمل معها طاقات بشرية وكفاءات كانت تعمل في الخارج، ما يشكل دفعة قوية لسوق العمل المحلي .

أبرز التحديات

ونوه الرفاعي بأن أبرز التحديات التكلفة الضخمة: كلفة الإعمار تعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024، ما يجعل الاعتماد على الموارد الذاتية مستحيلاً دون تدفق الاستثمارات الخارجية .

· التشريعات والقوانين: يبرز تحدٍ كبير يتمثل في غياب أو عدم اكتمال التشريعات المنظمة لعملية الإعمار، خاصة تلك المتعلقة بتنظيم الملكيات العقارية في المناطق غير المخططة أو المقامة على أراضٍ زراعية، وآليات عمل شركات التطوير العقاري . كما أن نجاح النموذج الاستثماري رهن بوضوح القوانين التي تحمي حقوق المالكين والمستثمرين على حد سواء .

· البيئة الاقتصادية: يعاني القطاع المصرفي من ضعف مزمن، وتقلبات سعر الصرف تشكل عقبة أمام المستثمرين، إضافة إلى حاجة منظومة الطاقة إلى إصلاح جذري .

نحو إعمار يليق بتضحيات السوريين

إن خطط إعادة بناء البنى التحتية في سوريا الجديدة ليست مجرد مشاريع هندسية، بل هي مشروع وطني شامل لاستعادة الحقوق والكرامة وبناء الدولة . وتشكل الاستراتيجية القائمة على التشاركية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع الدولي السبيل الوحيد لتحقيق هذا الحلم. يبقى التحدي الأكبر في حسن التنفيذ والشفافية وإشراك الخبرات الوطنية لضمان أن تكون سوريا الجديدة بأفضل صورة تليق بتضحيات شعبها.

Leave a Comment
آخر الأخبار