هل يصبح “التابلاين” بوابة لإعادة هندسة جغرافيا الطاقة بين العراق وسوريا؟

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – وديع فايز الشماس:

في لحظة تتقاطع فيها التحولات الجيوسياسية مع اضطرابات أسواق الطاقة، يعود الحديث عن الممرات البرية كخيار إستراتيجي يعيد رسم خريطة تدفقات النفط نحو أوروبا، وبين المشاريع التي استعادت حضورها، يبرز مشروع إحياء التابلاين وربطه بالنفط العراقي عبر الأراضي السورية، كأحد أكثر السيناريوهات إثارة للنقاش في الأوساط الاقتصادية والسياسية.

من إرث تاريخي إلى ضرورة جيوسياسية

كان خط التابلاين في منتصف القرن الماضي مشروعاً عملاقاً يربط الخليج بالمتوسط، قبل أن يتوقف بفعل التوترات السياسية، اليوم تعود الفكرة إلى الواجهة، ليس بوصفها مشروعاً تاريخياً، بل كخيار استراتيجي يفرضه الواقع الجديد، من هشاشة الممرات البحرية، وتصاعد التوتر في مضيق هرمز وحاجة الدول المنتجة إلى تنويع طرق التصدير، وتقارير دولية عديدة تشير إلى أن التحول نحو الممرات البرية لم يعد خياراً ثانوياً، بل جزءاً من إعادة تشكيل منظومة الأمن الطاقي العالمي.

العراق… قوة نفطية تبحث عن منفذ أكثر أمناً

يمتلك العراق واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، لكنه يعتمد بشكل شبه كامل على التصدير البحري. هذا الاعتماد دفع بغداد إلى دراسة خيارات بديلة، أبرزها إعادة تشغيل خط كركوك – بانياس، وإنشاء خطوط جديدة نحو الساحل السوري، وتعزيز الربط مع موانئ المتوسط لتقليل زمن الوصول إلى أوروبا.
الخبير الاقتصادي خالد الزعبي يرى أن “العراق يقف أمام لحظة مفصلية، فالوصول إلى المتوسط يمنحه قدرة أكبر على المناورة في سوق الطاقة، ويقلل من المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية التي باتت عرضة للتوترات المتكررة”.
ويؤكد الزعبي لـ”الحرية” أن “الربط مع سوريا ليس مجرد خيار لوجستي، بل خطوة استراتيجية قد تعيد للعراق دوره كمحور إقليمي للطاقة، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع تحديث شامل للبنية التحتية النفطية”.

سوريا عقدة جغرافية تعود إلى الواجهة

رغم التحديات الأمنية والسياسية، تبقى سوريا نقطة ارتكاز جغرافية لا يمكن تجاوزها، كون موقعها يجعلها جسراً بين الخليج والبحر المتوسط، وممراً مثالياً للنفط العراقي، ومنصة محتملة لخطوط الغاز المستقبلية.
تحليلات اقتصادية دولية تشير إلى أن دمج سوريا في منظومة الطاقة الإقليمية قد يفتح الباب أمام استثمارات ضخمة في إعادة الإعمار والبنية التحتية.
الخبير الاقتصادي مروان زغيب يرى أن “سوريا تمتلك موقعاً استثنائياً يجعلها قادرة على لعب دور محوري في تجارة الطاقة، إذا ما توفرت بيئة سياسية مستقرة تسمح بعودة الاستثمارات”.
ويؤكد زغيب أن “تحويل سوريا إلى ممر للطاقة نحو أوروبا قد يغيّر معادلات اقتصادية واسعة، ليس فقط عبر عائدات الترانزيت، بل من خلال خلق شبكة من الصناعات والخدمات المرتبطة بقطاع الطاقة”.

كلفة كبيرة ومكاسب أكبر

تشير تقديرات شركات استشارية دولية إلى أن كلفة إعادة تأهيل أو إنشاء خطوط جديدة قد تتراوح بين 10 و30 مليار دولار، تبعاً للمسار والطاقة الاستيعابية، لكن هذه الكلفة تقابلها مكاسب استراتيجية، أبرزها:
– تقليل الاعتماد على الممرات البحرية
– تخفيض زمن النقل نحو أوروبا
– تعزيز استقرار الإمدادات
– رفع القدرة التفاوضية للدول المنتجة
هيئات دولية مثل وكالة الطاقة الدولية تؤكد أن العالم يتجه نحو منظومة أكثر تنوعاً في طرق التصدير، وأن الممرات البرية ستلعب دوراً متزايداً في المرحلة المقبلة.

التحديات السياسة أولاً… ثم الاقتصاد

رغم الإغراءات الاقتصادية، تبقى العقبات السياسية والأمنية حاضرة بقوة كالوضع الأمني في سوريا، وتباين المصالح بين القوى الإقليمية، إضافة إلى العقوبات الدولية، والحاجة إلى توافق سياسي واسع يضمن حماية البنية التحتية.
مراكز أبحاث غربية تشدد على أن مشاريع الطاقة العابرة للحدود لا تنجح إلا في بيئة سياسية مستقرة، وأن أي خلل في التفاهمات الإقليمية قد يعرقل التنفيذ لسنوات.

هل نحن أمام خريطة طاقة جديدة؟

إحياء التابلاين أو إنشاء خطوط عراقية – سورية جديدة ليس مجرد مشروع هندسي، بل تحول استراتيجي قد يعيد رسم موازين النفوذ الاقتصادي في المنطقة، حتى لو لم تُنفذ هذه المشاريع قريباً، فإن مجرد طرحها يعكس اتجاهاً واضحاً نحو الانتقال من الاعتماد على الممرات البحرية إلى شبكة أكثر تنوعاً من الممرات البرية والبحرية، بما يحد من المخاطر ويعزز أمن الطاقة العالمي.
ويبقى السؤال مفتوحاً:  هل تنجح المنطقة في تحويل هذه الرؤى إلى واقع، أم ستبقى رهينة التوازنات السياسية الهشة؟

 

Leave a Comment
آخر الأخبار