دعوات عاجلة لإصلاح السياسات المالية وتعزيز الثقة بالقطاع المالي ودعم النشاط الإنتاجي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- رشا عيسى:
حذّر الباحث الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس من أن استمرار السياسات المالية الحالية في سوريا قد يفاقم الأزمات الاقتصادية ويعمّق تراجع النشاط الإنتاجي.
داعياً في تصريح لـ”الحرية” إلى إعادة صياغة الأولويات الاقتصادية على أسس جديدة تعيد الثقة بالقطاع المالي وتخفف الأعباء عن المواطنين والمنتجين.
وأكد أن العديد من السياسات المطبقة اليوم ما تزال تستند إلى مراسيم وتشريعات تعود إلى حقبة النظام السابق، ما يعرقل أي محاولة حقيقية للتعافي الاقتصادي.

توسع اقتصاد الظل

يرى الدكتور الجاموس أن السياسات المالية المعتمدة حالياً أسهمت في توسع ما يُعرف بـ«اقتصاد الظل»، مشيراً إلى ضرورة التمييز بين الاقتصاد غير المنظم الذي يلجأ إليه المواطنون لتحسين مستوى معيشتهم، وبين الاقتصاد غير المشروع.
ويؤكد أن الظروف الاقتصادية الصعبة، مع عجز الحكومة عن تحسين المستوى المعيشي، تستدعي السماح للناس بالعمل بمرونة أكبر، سواء عبر البسطات أو الأعمال المنزلية أو الأنشطة الصغيرة، بهدف الحفاظ على الحد الأدنى من الدخل والمعيشة.

تحديات كبيرة

يتوقف الجاموس عند ملف تبديل العملة، معتبراً أن هذه العملية تواجه صعوبات كبيرة، خاصة مع بقاء عشرات التريليونات من الليرات السورية خارج عملية الاستبدال مع اقتراب انتهاء المهلة المحددة.
ويشير إلى أن استكمال هذه العملية بنجاح يتطلب سياسات مالية ونقدية واضحة تضمن تحقيق قدر من الاستقرار في سعر الصرف، وتحد من الفوضى النقدية التي قد تنتج عن عدم استيعاب الكتلة النقدية المتبقية.

ضعف التصنيف الائتماني

ويؤكد الباحث الجاموس أن رفع العقوبات وحده لا يكفي لإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي، موضحاً أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف التصنيف الائتماني للقطاع المصرفي السوري.
ويضيف إن البنوك الدولية ما تزال تنظر إلى البنوك السورية باعتبارها عالية المخاطر، الأمر الذي يعوق التعاملات المالية والاستثمارات الأجنبية.
لذلك يشدد على ضرورة العمل على تحسين التصنيف الائتماني وبناء علاقات مع البنوك المراسلة والمؤسسات المالية الدولية.

علاقة باردة

يشير الجاموس إلى أن العلاقة مع صندوق النقد الدولي ما تزال محدودة، رغم الضجة الإعلامية حولها، موضحاً أن المؤشرات الحالية لا تدل على وجود برنامج حقيقي للصندوق في سوريا، سواء من حيث القروض أو برامج الدعم الاقتصادي.
ويرى أن تطوير هذه العلاقة أمر ضروري، ليس فقط للحصول على التمويل، بل أيضاً للاستفادة من الخبرات والاستشارات التي يمكن أن تسهم في إصلاح السياسات الاقتصادية والمالية.

إصلاح البيئة التشريعية والضريبية

ويشدد الجاموس على أهمية إعادة صياغة البيئة القانونية والتشريعية الاقتصادية، للتخلص من القوانين الموروثة التي تعيق الاستثمار والإنتاج.
كما ينتقد السياسات الضريبية الحالية وارتفاع أسعار الكهرباء، معتبراً أن هذه العوامل دفعت عدداً كبيراً من الشركات والمنشآت إلى الخروج من السوق، ما أدى إلى تراجع الإيرادات الضريبية للدولة وزيادة التهرب الضريبي.
ويؤكد أن المطلوب هو نظام ضريبي مرن وبسيط يشجع على الإنتاج ويزيد من الامتثال الضريبي بدلاً من الضغط على النشاط الاقتصادي.
ويحذر الباحث من أن الانطباع العام عن السياسات الاقتصادية خلال الفترة الأخيرة غير مشجع للمستثمرين، ما قد يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وتراجع رغبة المستثمرين المحليين والمغتربين في العودة إلى الاستثمار داخل البلاد.
كما أن استمرار الضغوط على القطاع الإنتاجي، إلى جانب الأوضاع الأمنية والحرب، قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في النشاط الاقتصادي.

أولويات عاجلة

يرى الدكتور الجاموس أن أبرز الأولويات الاقتصادية محددة في إصلاح البيئة القانونية والتشريعية لتشجيع الاستثمار والإنتاج، وتحسين التصنيف الائتماني للقطاع المصرفي واستعادة الثقة المالية الدولية، وبناء علاقة جدية مع صندوق النقد الدولي للحصول على الاستشارات والتمويل، واعتماد سياسات ضريبية مرنة تسمح بزيادة الإيرادات دون خنق النشاط الاقتصادي، وأيضاً، السماح بهوامش أوسع للعمل في الاقتصاد غير المنظم لحماية مستوى معيشة المواطنين.
ويؤكد الجاموس أن إعادة بناء الثقة بالاقتصاد السوري تبدأ بتشكيل فريق اقتصادي ومالي قادر على وضع سياسات واقعية ومرنة، بعيداً عن التعنت في السياسات الحالية.
ويشير إلى أن بناء الثقة يجب أن يبدأ أولاً بين الدولة والمواطن، قبل أن يمتد إلى المجتمع الدولي والمؤسسات المالية العالمية، لأن أي إصلاح اقتصادي حقيقي لا يمكن أن ينجح دون قاعدة ثقة داخلية قوية.

Leave a Comment
آخر الأخبار